رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

سليمان جـادو شعـيـب يكتب : وكأن رمضان موســم للفـن والدراما !

سليمان جـادو شعـيـب
سليمان جـادو شعـيـب

يبدو لي جلياً ، أنه من تلك المظاهر السلبية العجيبة التي لا تليق بعظمة وجلال شهر الصوم والقرآن ، والتي ينبغي دراستها بدقة والوقوف عليها بعناية ، ما يحدث قبيل مجيء وحلول شهر رمضان المبارك بعدة أشهر ، من الحشد والكم الهائل من صناعة المسلسلات الدرامية والكوميدية ، والأفلام والبرامج الفكاهية والترفيهية ، والتوكشو، والكاميرا الخفية ، ومسابقات الجري والقفز ، والرقص والفوازير ، وغيرها ؛ في سباق محموم ، ومنافسة شرسة بين النجوم ؛ لكي تُذاع عبر المحطات والقنوات الفضائية المصرية والعربية ، خلال هذا الشهر الفضيل ، وكأنه - في ظنهم واعتقادهم – مخصص للهو والعبث والتسلية فحسب ، ومحاولة إهدار وقت الصائمين فيما لا يجدي ويفيد ، وصرفهم عن العبادة وأداء شعائر الله تعالى ، وتعطيلهم عن أداء الصلوات المفروضة جماعة في بيوت الله تعالى ، التي أراد الله و" أَذِنَ أَنْ تُرْفَع ويُذْكَـرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا باِلْغُدُوِّ وَالآَصَالِ{النور :الآية 36} .

فهل يعقل بالله عليكم ، أن تلك الأعمال الفنية التي يتم إنتاجها ؛ لكي تعرض في أيام وليالي رمضان ، تستغرق من الزمن عدة أشهر، تجهيزاً وإعداداً وأداءً ، في بروفات شاقة يقوم بها أهل الفن ، وجهابذة اللهو والإسفاف ، ونجوم الفن الهابط ، يواصلون الليل بالنهار وكأنهم في جهاد عجيب ، وتستنزف تلك الأعمال الفنية ميزانيات هائلة وضخمة ، تكاد تكون بالملايين من أموال الشعب الذي يتضور جوعاً وألماً من أجل لقمة العيش والبقاء ، وفي وقت تمر به جميع البلاد العربية بضائقاتاقتصادية ، وأزمات خانقة متتالية ، مما يثير حفيظة وسخط الكثير من المشاهدين لتلك البرامج التافهة والمشاهد الفنية المخزية التي تتنافى وحرمة شهر الصوم ، بل وتتنافى مع كل ما نادى به الإسلام وشريعته السمحة ! .

و العجيب أن معظم تلك الأعمال المنتجة لا تلامس الواقع ، وليست تضع حلولاً وتصورات عملية لمعالجة مشكلات المجتمع وقضاياه ، بل وخالية تماماً من المضامين والقيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية والأدبية الرفيعة ، التي ترتقي بالمجتمع وتنهض به ، وتربي في أفراده الذوق السليم ، والفضائل والقيم والمثل والمبادئ النبيلة التي تسهم في رفع مستوى الوعي لدى الأفراد وترتقي بذائقتهم ، وتغذي فيهم حب الفضيلة والانتماء للدين والوطن .

إن معظم تلك الأعمال الفنية الهزيلة غالباً – للأسف الشديد – هي معاول هدم للأفراد وللمجتمعات العربية والنيل منها ، وبث مظاهر الفوضى والمجون والخلاعة ، والعقوق والسخرية ، والغمز واللمز ، والغيبة والنميمة ، وعدم احترام الآخرين ، والإسهام في تقديم سلبيات سلوكية من خلال التركيز الشديد على مسلسلات الإثارة والعنف والإغراء ، خاصة التي توظف أجساد النساء ، وتعتبر المرأة سلعة رخيصة ، مما يتنافى ذلك تماماً مع قدسيةوفضائل هذا الشهر الكريم ، الذي تنتظره كل شعوب الأرض المؤمنة بشغف وشوق شديد للعبادة والطاعة والتقرب إلى الله عز وجل ، وتحرص على صومه وقيامه ، والتضرع فيه بالتبتل والخشوع والدعاء .. فهو شهر مبارك فيه ليلة خير من ألف شهر ، وهي ليلة القدر ، ليلة التكريم والتشريف من رب العزة والجلال لعباده المؤمنين الصائمين القائمين والركع السجود .. شهر يُزاد فيه رزق المؤمن ، وتفتح فيه الجنان ، وتغلق فيه النيران وتصفد الشياطين .

وكان الأولى والأجدر بهؤلاء النجوم ، وثلة الفن وجهابذته ، أن يخدموا دينهم ومجتمعاتهم

وشعوبهم ، ويوظفوا تلك الأعمال والبرامج عامة في النهوض والارتقاء بها ، بتقديم كل ما من شأنه إعلاء قيم الحق والخير والجمال ، والخلق الكريم والأخوة والرحمة بين البشر، ونشرالفضائل والمبادئ النبيلة وتكريسها بين الناس ، وغرسها وتنميتها بين أفراد المجتمع كله ، كبيره وصغيره ، رجاله ونسائه ، أطفاله وشيوخه .

ولعلي هنا أذكر ما قدَّمه لنا ذلك الفن العجيب ، خلال فترة السبعينيات ، وكان سبباً وعاملاً قوياً في هدم القيم التربوية والأخلاقية والاجتماعية ، والتي مازلنا نعاني منها ونجني ثمارها وحصادها المر حتى يومنا هذا ، ما قدَّمتهُ الشاشة البيضاء من مسرحية " مدرسة المشاغبين " التي جنت على منظومة التربية والتعليم ، وشجَّعت الأبناء على عدم احترام معلميهم وتوقيرهم ، والاستخفاف بهم والنيل من كرامتهم .. كل ذلك بحجة الإمتاع والتسلية وإدخال البهجة على المشاهدين ، إلا أنها أصابت التعليم في مقتل ، وأدت إلى هبوط المستوى التعليمي لدى أبنائنا الطلاب ، فقد أكدت دراسة حديثة أن 64 % من طلاب الجامعات تشغلهم أفلام ومسلسلات الفضائيات عن تحصيل دروسهم العلمية .

ومما يثير الدهشة والعجب في الأمر ، أن هؤلاء النجوم من الممثلين والممثلات يتقاضون أجوراً خيالية لا يمكن أن تخطر على بال أحد ، فهي تصل إلى الملايين ، ويتبارى كل واحد منهم إلى رفع سهمه وأجره المستحق وفق نجوميته وشهرته ونجمه الساطع ! .. وعلى النقيض تماماً أذكر عندما كنتُ أعمل في وزارة المعارف السعودية خلال فترة التسعينيات ، وأثناء شهر رمضان هناك قدّم التلفاز السعودي عبر شاشته الفضية ، مسلسلاً رائعاً يُدعى " طاش ما طاش " ، ومن خلاله عالج الكثير من القضايا التربوية والتعليمية والبيئية التي تتعلق بالمجتمع الخليجي بشكل لا فت وملحوظ ، والتي أحدثت جدلاً كبيراً في الوسط السعودي في ذلك الحين ، فمثلاً على سبيل المثال لا الحصر ، تعرض لما كان يحدث في المقابلات الشخصية التي يتقدم أصحابها للعمل في وظيفة التدريس في وزارة المعارف السعودية ، ونقل المعلمين والمعلمات ، وقضايا الزواج والخدم ...إلخ . وقد عرضت لكثير من مكامن الخلل في المنظومات الاجتماعية والبيئية داخل البلاد ، وكان المشاهد الخليجي والعربي يقضي وقتاً ماتعاً وبهيجاً ومفيداً مع تلك الدراما الفنية العبقرية والعجيبة .

إلا أن تلك الدراما السعودية نراها مؤخراً ، قد تجاوزت الحد واخترقت المحرمات في عام 2009م مثلاً ، حيث ظهرت أول قبلة سعودية في مسلسل " أمير الصحراء "، الذي أنتجته روتانا خليجية ، في وقتٍ كان فيه المجتمع السعودي يأبى تلك المشاهد الساخنة ، والعبارات غير المهذبة التي تخدش الحياء

ومن المؤسف حقاً ، أن تختفي من خريطة البرامج في الفضائيات العربية ، وبشكل ملحوظ هذا العام ، المسلسلات والبرامج الدينية والتاريخية ، وسير الأبطال والعظماء وقادة الإسلام ، وهي إن وُجِد منها شيءٌ فليس بالقدر المنشود والمرجو منها ، إذْ لا يقدمه أناس على قدر من الكفاءة والثقافة العالية الرفيعة ، وإنما أصبحت تلك البرامج والأعمال يقدمها إعلاميون غير أكْـفَاء ، وذو ثقافة ضحلة ، هم في حاجة ماسة إلى الصقل والتهذيب والمزيد من الدورات التدريبية اللازمة ؛ كي يكونوا على أهبة الاستعداد والمستوى المنشود .

لذا أقول ، ينبغي على نجومنا الذين نثق في مقدرتهم وبراعتهم الفنية ، أن يراعوا ضمائرهم ، ويراقبوا ربهم عز وجل ، في كل ما يقومون به ويقدمونه من إنتاج وأعمال فنية راقية وأصيلة ، لا تسيء لدينهم ومجتمعاتهم العربية والإسلامية ، خاصة في هذا الشهر الفضيل ، الذي بلَّغنا ربنا سبحانه وتعالى إياه .. " فأما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " { الرعد : الآية 17} .


ريال سعودي درهم إماراتي دينار كويتي دولار أمريكي
4.19 4.28 52.24 15.7

زاوية رأى

تابعنا على تويتر