رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

محمود العربي والتجارة الحلال

محمود العربي والتجارة الحلال

التجارة الحلال من أوسع أبواب الرزق وأفضله ، وأبعده عن رق الوظيفة ، وتحكم الآخرين ، كما أنها ضرورة لا غنى للناس عنها ، وقد عمل بها سادات الصحابة مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم الكثير.

لكن باب التجارة من الأبواب المحفوفة بالفتن ، والتي تحتاج من المشتغل بها دينا وصدقا وأمانة وعفافا وتمييزا بين الحلال والحرام ، ومن فتنها ما يحدث فيها من منافسات شرسة ، وإكثار من الحلف ، وإخلاف للعهود والمواعيد، ومعاملات محرمة أو مشبوهة ، وقروض ربوية ، واستغلال للناس ، ومبالغة في التربح ، وغير ذلك من أمور ، وكلما فسدت أحوال الناس اتسعت أبواب تلك الفتن ، وقل من ينجو منها بالكلية .

ولهذا كله ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

 " إن التجار هم الفجار. قيل يا رسول الله: أو ليس قد أحل الله البيع؟ قال: بلى، ولكنهم يحدثون فيكذبون، ويحلفون فيأثمون " 

وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وسلم " إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبر وصدق "

كذلك أرشد النبي صلى الله عليه وسلم التجار إلى الإكثار من الصدقة تكفيرا لما لا تخلو منه التجارات من لغو وحلف ، فقال صلى الله عليه وسلم "يا معشر التجار، إن البيع يحضره اللغو والحلف، فشوبوه بالصدقة"

ومن الجميل في هذه الأزمنة الصعبة التي نعيشها، و يحتاج الناس فيها لنماذج مشرقة ، أن نرى هذا الثناء المتتابع على تاجر كبير عند وفاته مثل الحاج محمود العربي رحمه الله ، ومع أني لا أعرفه شخصيا ، لكن هذه الشهادات الكثيرة التي قيلت في حقه تكشف أنه استطاع أن يحقق تلك المعادلة الصعبة جدا في عصرنا هذا ، وهي الجمع بين النجاح في التجارة لأبعد مدى ، مع السيرة الحسنة ، والإحسان إلى الخلق ونفعهم ، فرحمه الله وغفر له ، وسائر موتى المسلمين .

الحاج محمود العربي صاحب شركة توشيبا العربي مثل طيب من أمثلة رجال الاعمال الصالحين نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا ...

ولعل وصفته بذلك لأسباب كثيرة منها : 

أنه كان رجلا بسيطا لم ينل حظا كبيرا من التعليم الإلزامي ، لكن علمته تجارب الحياة ..

أنه رجل عصامي بدأ حياته فقيرا ، ثم حاول الأخذ بالأسباب القدرية والشرعية لدفع هذا الفقر ، فعمل في مهن كثيرة متواضعة ، وكان يتقاضى أجرا زهيدا ..

أنه كان مثالا للرجل الريفي المثابر الدؤوب الذي بدأ حياته (برص البضائع)بالأجرة في الحسين ، والعتبة ، ووسط البلد ، ولم يستنكف من ذلك ، بل ظل حريصا على ممارسة العمل حتى فتح له في باب التجارة ..  

أنه استطاع بتوفيق الله ثم بجهده وجهاده أن يجعل اسمه علما في ميدان التجارة ، وصارت شركته بفضل الله من أكبر شركات مصر ، والشرق الأوسط ..

أنه كان رجلا صادقا أمينا ، يتحرى الحلال ، ويجتنب الحرام ، وكان حريصا على استفتاء العلماء كي يكون عمله وكسبه حلالا لا شبهة فيه.

  

أنه كان رجلا صالحا ، لم ينس حظه من الآخرة ، فكان صاحب أيادي بيضاء على كثير من الخلق، وكان مسارعا في الخيرات ، وكان حريصا على إكرام أهل الفضل، وتكريم أهل القرآن ..

إضافة إلى ما سبق، فإن الرجل كان يضرب بأسهم في أمور الخير ، فكم من مسجد لله بناه ! 

وكم من عائل كفاه! وكم من فقير أغناه!  

وكم من مكروب أرضاه !

أنه كان رجل الأوقات الحرجة ، ففي أزمة كورونا كشف كثير من أصحاب رؤوس الأموال عن وجوههم القبيحة ، وأعلنوا أن توغلهم الرأسمالي لن يتوقف ، ولو كانت النتيجة هلاكا للعمالة، وقام كثير من رجال الأعمال بتسريح الموظفين ، و طالب نجيب ساويرس ،

 و غبور بخفض رواتب العمال ، وفرض الاستمرار في العمل دون توقف ، حتى لو عاد هذا على الطبقة العمالية بالسلب .

 أما الحاج محمود فقد ضرب أروع الأمثلة لما ينبغي أن يكون عليه رجل الأعمال المسلم ، فإنه أعلن عن إعطاء أجازة مفتوحة لكل العاملين في شركاته إلى حين تحسن الأوضاع ، وبقيت مرتبات الموظفين والعمال ممن يقدر عددهم ب ٣٠ ألف تصلهم كما هي دون أن ينقص منها شيء .

أنه كان رجلا فطريا ، متواضعا ، سهلا ، هينا ، لينا ، يعرف ذلك كل من خالطه ، يصدق عليه قول رسول الله :

 " نعم المال الصالح للرجل الصالح"..  

 

رحل هذا الرجل الطيب ، وقد خلف وراءه إرثا أخلاقيا طيبا ، وترك أثرا حقيقيا في المجال الاقتصادي ، وسيظل اسمه محفورا كرجل من رجال الأعمال المسلمين المستمسكين بدينهم ، ومبادئهم ...

 وإني لأرجو الله العلي الكريم، أن يغفر له، وأن يرحمه ، وأن يتقبله في الصالحين ، وأن يتجاوز عنا وعنه وعن المسلمين....آمين


ريال سعودي درهم إماراتي دينار كويتي دولار أمريكي
4.19 4.28 52.24 15.7

الأكثر قراءة

زاوية رأى

تابعنا على تويتر