رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

دين

الدكتور عبدالباسط الغرابلي يكتب "الهجرة الباقية"

د. عبدالباسط الغرابلي
د. عبدالباسط الغرابلي

كتب الدكتور عبدالباسط الغرابلي من علماء الأزهر الشريف:

في بداية كل عام هجري جديد نتذكر هجرة الرسول الكريم سيدنا محمد  - عليه الصلاة والسلام - ونسأل أنفسنا، هل لنا هجرة كهجرة الحبيب محمد، أم لا؟
ومعلوم أن الهجرة من مكة إلى المدينة المنورة قد توقفت بعد فتح مكة وبعد دخول الناس في دين الله أفواجا، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، واذا استنفرتم فانفروا" أخرجه البخاري رقم 3077. 
ويبقي جهاد المسلمين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وصد عدوان العدو عسكرياً وفكرياً واقتصادياً، لاينقطع أبدا، ويعد ذلك هجرة باقية نأخذ أجرها، ونعلى بها شأن بلادنا ونتقرب بها لربنا، وهذا ما أتناوله فيما يأتي:
أولا: هجرة الذنوب والمعاصي
وتعد هذه هجرة باقية ما دام صاحبها يتوب ويرجع إلى الله تعالى في كل لحظة، فلا ملجأ من الله إلا إليه، قال الله عز وجل: " ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين"  سورة الذاريات الآية 50.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن الهجرة خصلتان، إحداهما أن تهجر الشر، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من الغرب، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفي الناس العمل" مسند الإمام أحمد.
 فمثل هذه الهجرة مستمرة وباقية وتلزم جميع الناس في كل زمان ومكان. 
      
ثانياً: هجرة الخمول والكسل 
 لا مجال للتقاعس والكسل، فان هذا الدين يحتاج إلى روح قوية تعمل وتحارب الكسل والخمول وما أحوج المجتمع المؤمن إلى مزيد من الرقي في كل المجالات والنهوض بشأن الأمة في شتى مناحي الحياة واستثمار كل الطاقات وعدم الركون الى الراحة، فمن أخذ بالأسباب نجح وأفلح، إن علينا أن نتغير إلى الأحسن والأفضل فمن المعاني الجميلة للهجرة الباقية أن نهجر التكاسل والتواكل إلى الإيجابية والتوكل والسعي إلى الرزق والعمل، وإذا كان العلماء يعرفون الكسل بأنه التراخي في أداء المهمة ة، فإن كل كسول في جانب العبادات أو  الأخلاق أو المعاملات،  إنما هو عبء على المجتمع، وإن أمة يتكاسل أبنائها، أمة لا تبني ولا تعمر بل تتراجع عن موكب التقدم والحضارة، إننا أمة عاملة وعابدة ومجاهدة قال الله تعالى: "  وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله" سورة المزمل الآية 20. 
  
ثالثاً: هجرة رفقاء السوء
فمن أراد أن يحقق الهجرة في نفسه فليهجر رفقاء السوء وقرناء الغفلة والمعاصي وأهل الرزيلة والمنكر وليصحب الصالحين المحبين للدين والإيمان فالله عز وجل يقول: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين"  سورة التوبة الآية 119. 
ويقول الله سبحانه وتعالى: " ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني ٱتخذت مع الرسول سبيلاً *يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلاناً خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جآءني وكان الشيطان للإنسان خذولا " سورة الفرقان الآيات29/27 . 
 وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " أخرجه الترمذي  رقم 2378 .
 فمن أراد أن يهاجر إلى الله فليهجر رفقاء السوء فإنهم يبعدونك عن دينك وعن مجتمعك، فلا تصاحب إلا من ترضى دينه وخلقه، واعلم أن الابتعاد عن أصحاب السوء نجاة في الدنيا والآخرة قال الله تعالى: " الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " سورة الزخرف الآية 67.  قال ابن كثير في تفسير الآية أي: " كل صداقة وصحابة لغير الله فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة إلا ما كان لله عز وجل فإنه دائم بدوامه".

رابعاً: هجرة القلوب إلى الله تعالى
هناك هجرة ترك المعاصي وهجرة أخرى إلى الله تعالى بعمل الصالحات وهجرة القلوب إلى الله تعالى بإخلاص العبادة له عز وجل في السر والعلن وامتثال أوامر الله تعالى، قال الله تعالى: "والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم "  سورة الأنفال الآية 74.  
ومن الهجرة المباركة التزام العبادة في زمن الفتنة قال - صلى الله عليه وسلم: "العبادة في الهرج كهجرة إلىّ"  أخرجه الإمام مسلم رقم 22680.

وختاماً: فإن على الأمة أن تهاجر إلى ربها، وأن تبادر  بالتوبة الصادقة، وأن تنكسر بين يدي الخالق العظيم بالخشوع والتذلل، وأن يهجروا كل الأوضاع السيئة على جميع الأحوال التربوية والأخلاقية والإقتصادية والسياسية،  فإن الأمة تحتاج إلى أبناء برره يسالمون ربهم ودينهم وإخوانهم ومجتمعهم، بل والناس جميعاً، فإن حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" أخرجه البخاري رقم 6484 . فهجرة ما نهى الله عنه هجرة واجبة على كل أحد،  وإن التحرك في الدنيا والتنقل في البلدان فيه نفع كبير وخير عظيم قال الله تعالي: "ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما " سورة النسآء الآية 100. 
 فلنلزم أنفسنا رحاب الله ولنكن جميعاً على قلب رجل واحد متحابين  متآلفين  معتصمين بحبل الله عز وجل،  أسأل الله أن يحفظنا وبلادنا من كل مكروه وسوء، وأن يجعل راية بلادنا عالية خفاقة، وأن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يأخذ بنواصينا إليه أخذ الكرام عليه. وأن يعطينا سؤلنا، وأن يفرج كربنا بجاه حبيبه ومصطفاه  صلى الله عليه وسلم - والحمد لله رب العالمين .


ريال سعودي درهم إماراتي دينار كويتي دولار أمريكي
4.19 4.28 52.24 15.7

زاوية رأى

تابعنا على تويتر