رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

الأدب والثقافة

رجل الدين في الدراما.. متواطيء مع الظلم و مُبررا لكل افعاله

Image Title

رغم ما يتمتع به رجل الدين في المجتمع المصري بشكل خاص والعربي بشكل عام من تقدير و مكانه عالية إلا ان الامر كان مختلفا بشكل كبير في الدراما بشقيها، حيث ظهر في اغلب الاعمال الفنية اما متواطيء مع السلطة الغاشمة او ساكت عن الحق، هل حاولت الدراما تعرية ونقد احد النماذج الفاسدة ام حملته اكثر من اللازم حيث كانت تنتظر منه ان يقف جنبا إلى جنب مع المظلومين والكادحين فإذا به يقف بجوار السلطة التي منحته المكان والمكانه !

منذ بداية السينما المصرية في اوائل عشرينات القرن الماضي و حتى نهاية الاربعينات، لم تكن شخصية رجل الدين حاضرة في الاعمال الفنية بصورة كبيرة وربما لم تظهر مطلقا، رغم التعددية والانفتاح الثقافي الذي ساد المناخ الفني والثقافي في هذا الوقت حيث ظهرت الشخصيات الدرامية بشكل طبيعي على اختلاف الديانات والجنسيات والتي لم تكن عائقا او شيئا هاما في هذا الوقت، الاستثناء الوحيد كان للفنان والمنتج حسين صدقي والذي كان له توجهات مختلفه جعلته يُقدم اعمالا خارج السرب وبعيدة عن كل ما يُقدم في هذا الوقت، حيث قدم فيلما بعنوان " ليلة القدر" عن الشيخ حسن الذي يحب و يتزوج من فتاة مسيحية "لويز" شقيقة تلميذه رغم معارضة الاهل من العائلتين ويدخل في صدام حتى تموت امه حزنا عليه وبعد تطليقه لها يكتشف انها حامل ولابد ان يعود له الابن ليعيش ويتعلم على يدي الشيخ حسن تعاليم الاسلام، تم عرض الفيلم في مارس 52 وبعد ايام تم رفعه بسبب غضب عدد كبير من الجمهور من المسلمين والمسيحيين وايضا المركز الكاثوليكي، وبعد قيام ثورة يوليو تقدم حسين صدقي بطلب لعرضه مرة اخرى وبالفعل عُرض لعِدة ايام حتى امر محمد نجيب برفعه من دور العرض تجنبا لاي مشاكل او ازمات وفي عام 54 قام حسين صدقي بتغيير اسم الفيلم إلى "الشيخ حسن" واضاف 7 دقائق للفيلم وتم عرضه وايضا حدثت ازمة واعتراض وتحذيرات من احتمال إثارة فتنة او مشاكل، مما اضطر جمال عبد الناصر إلى رفعه نهائيا من دور العرض واختفى للأبد، ورغم الضعف الفني لهذا العمل حيث اتسم بالمباشرة والحوار الحماسي الاجوف إلا انه مازال ممنوعا من العرض حتى الان. ومع ظهور تيار السينما الواقعية و تقديم اعمال فنية تتناول المجتمع المصري في الاحياء الشعبية والقرى وبعبدا عن القصور وعالم الطبقة الارستقراطية بدأ يظهر رجل الدين في الاعمال احيانا بشكل عارض وثانوي واحيانا محركا للاحداث، ويعتبر الفنان يحيى شاهين من اكثر الفنانين تقديما لشخصية رجل الدين او المتدين الذي يساعد البطل و يتحمل الصعاب دفاعا عن الاخلاق والمباديء، في عام 1945 قدم شخصية رجل الدين الزاهد "عبد الرحمن القس" الذي يحب الجارية سلاّمة "ام كلثوم" والتي تقوم بالغناء في خماره، حيث تحمل غضب وسخط الناس دفاعا عن هذا الحب حتى انتصر لها وله، ثم في عام 1951 قدم شخصية الاخ الاكبر المتدين الذي يحاول تقديم النصيحة لاخيه الاصغر محاولا يُثنيه عن الطريق الذي يسلكه ثم يتزوج من ابنة عمه بعد ان اخطأت مع اخيه الاصغر والذي هرب بعد ما فعله، وكانت هذه الادوار هي بوابة يحيى شاهين للبطولة والنجومية لكن الدور الاشهر كان في عام 1954 في فيلم جعلوني مُجرما حيث قدم شخصية " الشيخ حسن" الذي يقف جنب صديقه سلطان خريج الاصلاحية وضحية جشع عمه و ظروف مجتمع ادت به إلى الجريمة وظل طوال الفيلم ناصحا ومساعدا له، وفي مشهد النهاية ينجح الشيخ في اقناع سلطان في تسليم نفسه للشرطة بعد ان قتل عمه. ولعل الظهور الاشهر و الاقوى لرجل الدين كان في عام 1967 من خلال فيلم الزوجة الثانية والذي قدم فيه حسن البارودي واحدة من اشهر الشخصيات الدرامية في تاريخ السينما وهو نموذج رجل الدين المتواطيء مع السلطة الفاسدة "العمدة عتمان" والذي يستخدم الدين وايات القران لتبرير كل افعال العمدة الظالمة والفاسدة، ولعل المشهد الاشهر الذي لا يغيب عن ذاكرة الجمهور مشهد تبريره لطلاق ابو العلا لزوجته ارضاءا للعمدة و استخدامه ايه من القران " واطيعوا الله واطيعوا الرسول و اولي الامر منكم" ليرد عليه ابو العلا منفعلا " يا راجل يا كافر يا عديم الدين" . في عام 1968 قدم يحيى شاهين واحدة من اجمل وافضل الشخصيات الدرامية التي قدمها في مشواره وهي الشيخ ابراهيم في " شيء من الخوف" وهنا نموذج لرجل الدين الشجاع الذي اختار نُصرة الحق مهما تحمل وهو ما لخصها في جملة قالها في خطبة المسجد " حقنا احنا احرار فيه لكن حق ربنا لأ" وبعدها قرر الثورة على عتريس حتى قُتل ابنه الوحيد عقابا على ذلك إلا انه استمر في الثورة حتى خرجت القرية كلها خلفه ضد عتريس. وبحضور مختلف قدم يحيى شاهين مرى اخرى شخصية رجل الدين في فيلم الارض عام 1970 حيث جاء الشيخ حسونة من القاهرة والازهر إلى قريته للوقوف بجوار اهله ضد الحكومة والباشا الذي قرر اغتصاب اراضي الفلاحين من اجل عمل طريق خاص يصل إلى قصر الباشا مباشرة، استمد اهل القرية و محمد ابو سويلم القوة من وجود الشيخ حسونه بجوارهم وقرروا ان يتفاوص هو مع الباشا والعمدة حتى يتوقفوا عن هذا المشروع إلا ان الشيخ حسونة خذلهم عندما استطاع الباشا اغراءه باستثناء ارضه من مشروع السكة الجديدة بشرط ان يتخلى عن مساندة الفلاحين المتمردين و يعود للقاهرة فورا، وبالفعل يعود الشيخ حسونة بعد هذا الاتفاق الفاسد. وفي فترة السبعينات وما حدث من تغيرات اجتماعية في هذه الفترة والتي اثُرت بشكل كبير على هوية المجتمع المصري وعلى شكل رجل الدين، توارى النموذج الايجابي مرة اخرى و برز النموذج السلبي ولكن بشكل مختلف، حيث ظهر المتشدد الناقم والكاره للمجتمع، ولم يختفِ النموذج المتواطيء حيث ظهر في افلام الحرافيش والتوت والنبوت وغيرها من افلام عالم الفتوات والحارة الشعبية حيث ظهر كتابع للفتوة و منافق لصاحب السلطة في الحارة و باحث عن كل فتوى وتبرير لكل ما يقوم به الفتوة من ظلم و بطش. وفي فيلم مولانا، ظهر رجل الدين بشكله العصري، نجم فضائيات يسكن القصور ويركب السيارات الفارهه ويُصادق رجال السلطة ويتركز معظم احاديثه في الامور العامة والدعوة دون التطرق لأي امور شائكة قد تغضب السلطة، حتى يضطر في النهاية لكسر القالب الذي وُضع فيه والخروج عن المسموح له وبالتالي تحمل العقاب. وفي النهاية هل حاكمت السينما رجل الدين على اقترابه من السلطة و ارضاؤه لها على حساب الناس، لماذا صورته كرجل خان مبادئه و ما يحمله من علم ودين واخلاق؟ ام كانت تتنظر منه دورا اكبر و حضورا اقوى لكنه لم يفعل؟ المؤكد ان حضور رجل الدين في الدراما بشقيها لم يكن مناسبا لدوره في المجتمع و مكانته لدى الجمهور خاصة العامة والبسطاء، ومن المؤكد ايضا ان هناك دورا و حضورا كان منتظرا و متوقعا منه لكنه لم يحدث حتى الان لاسباب مختلفه بعيدة عن الفن والدراما، اسباب تخصه هو.


+17
°
C
H: +19°
L: +10°
القاهرة
الأحد, 21 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+20° +18° +21° +22° +20° +21°
+11° +11° +11° +12° +14° +12°
ريال سعودي درهم إماراتي دينار كويتي دولار أمريكي
4.18 4.27 51.3 15.68

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر