رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

«جين أوستن» .. بقلم : الكاتبة هدى حجاجى أحمد

«جين أوستن» .. بقلم : الكاتبة هدى حجاجى أحمد

لا أدرى لماذا اتسعت الهوة بينى وبين زوجى، كاتب العشق والحنين. إنه يتعامل مع الجميع، والحق يقال باحترام وتوزان، لم يخطئ مع واحدة ممن أعرفهن بكلمة أو نظرة أو سلوك. فهل أواجه نفسى بصراحة وأقول إنها الغِيرة؟ هل هى سبب الجفوة بيننا، والتى تتسع كل يوم؟!

بصراحة مطلقة- وينبغى أن أقولها دون تردد- إننى أحبه! فلماذا هذا الجفاف فى حلقى؟ ولماذا يولد الشجار مع بضع كلمات، يعتبرها هو استجوابا: «أين كنت؟ ومع من قضيت الوقت؟ ولماذا تأخرت؟» أليس من حق أى زوجة أن تسأل هذه الأسئلة دون أن يتطور الأمر بسرعة إلى شجار؟!

لماذا صار يبتعد عنى لفترات طويلة؟ هل لأنه يشتغل بالفكر ويحتاج إلى التركيز؟

أتذكر التفاصيل. تأخر فى إحدى الأمسيات ،دبت فى قلبى الظنون. قلت لنفسى لماذا لا يكون مع فلانة أو علانة؟ كان يؤكد لى أنه يجتر تجاربه ولا يكتبها حرفيا. فينهض أمامى سؤال بحجم الفصول الأربعة: من أين يأتى بكل هذه الخيالات؟ كيف أقنع نفسى أن كل ما يكتبه محض خيال؟ إنه يصف قلوب النساء بحس عجيب! يتوغل فى شفافية، ورهافة ودقة متناهيتين، يصل إلى أعماق المرأة. فكيف يفعل هذا؟ لا بد له من زاد كبير.

يشتد بى الألم وتنطوى نفسى على موجات من النار. ربما بسبب روايته الأخيرة التى تحمل بطلتها ملامح صديقة لى!

حديدى الإرادة، عنيد لأقصى حد، قال لى إنه بحاجة إلى راحة!

ثم أدار ظهره، وراح يرتب حقيبته وذهب. كانت عيناى تتبعانه وهو يذهب. قبل أن يغادر المكان ترك لى أوراقا نقدية تكفى لمدة طويلة. لكنه نسى صورتى الصغيرة، ونسى أن يقبلنى.

اتسع البيت بعد رحيله، وتوحش المكان.

رحت أتصفح بعض كتبه، وكأننى أتسلى بتعذيب نفسى. إنه يتوغل فى وصف بطلة روايته. من أين يأتى زوجى بهذه الأوصاف؟ بهذه العواطف الجياشة؟ كنت أحسبه قد نسى الحب، لأنه كان يضاجع الأوراق والأحبار، وينسى أن له زوجة مشتاقة، تعيش على بعد ذراع، وتتنهد. كنت أشتاق إليه، وأحضر المكياج والحرير والعطر، وأجلس إلى جواره كقطة أليفة، وهو مشغول عنى. ثم يطلب قهوته، ويغرق فى أوراقه.

وحين سألته مرة عن معنى الحب، لماذا لا يصوره كما يحدث فى الواقع؟ قال إنه لا يصور الواقع، بل ينتخب منه، لأن الأدب ليس صورة طبق الأصل، بل أكمل وأجمل.

البيت هادئ تماما يغرينى بالانتحار! البرودة تسرى فى جسدى. النوافذ مفتوحة.

رحت أكافح الهبوط، وأقلب فى أوراقه. وجدت مقالا شدنى عن (جين أوستن). وصفها بأسلوب عذب، رسمها فى عشق واشتعال. سألت نفسى: هل كان على علاقة بها؟ يالَسخافاتى! إنه يصف عالم «جين» ومعاناتها، وكيف أن معرفتها بالناس محدودة لا تزيد على أربعة أسر فى ريف صغير محدود!

وعلق فى نهاية المقال (إن كل ما يحتاجه الأديب هو العين الواعية، والأذن المرهفة، وعشق الأدب نفسه).

وفجأة أفقت من أوهامى. ألم يكن أجدر بى أن أكف عن مضايقته. هذه الغيرة الجنونية التى تبيّن لى فجأة أنها لا محل لها. جريت بسرعة على الهاتف، قلت له وأنا ألهث: «تعال فورا. لن أحاسبك بعد اليوم أين ذهبت، ومع من كنت».

رد فى هدوء يخالطه دهشة: «ماذا حدث»؟!

قلت له وأنا ابتسم: «إنها جين أوستن».


ريال سعودي درهم إماراتي دينار كويتي دولار أمريكي
4.19 4.28 52.24 15.7

الأكثر قراءة

زاوية رأى

تابعنا على تويتر