رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

جامع المؤيد شيخ ... سجن تحول إلى مسجد حرام

 د/ عمر محمد الشريف
د/ عمر محمد الشريف

يقع مسجد المؤيد في شارع المعز وملاصقاً لباب زويلة أشهر أبواب القاهرة الفاطمية، شيده سلطان مصر المؤيد أبو النصر شيخ بن عبدالله المحمودي الجركسي، ويعتبر المسجد أحد أهم المساجد الأثرية العتيقة بالقاهرة القديمة. وصل المملوك الجركسي المؤيد شيخ إلى مصر وهو في 12 من عمره، حيث اشتراه السلطان برقوق، من الخواجة محمود شاه اليزدي ولذا عُرف بالمحمودي، كان فارساً شجاعاً وتدرج في سلك المملوكية، وبسبب ذكاءه أصبح من المقربين للسلطان فرج بن برقوق.

بسبب المكانة التي حصل عليها المؤيد شيخ لدى السلطان، سعى الأمراء للوقيعة بينه وبين السلطان برقوق، فحبسه السلطان في سجن “خزانة شمائل” وهو سجن فظيع كان يعرف بأهواله، وقد سمى على أسم الأمير علم الدين شمائل والي القاهرة في عهد الملك الكامل بن أيوب.

زج بالمؤيد شيخ في السجن، حيث وضعوه في إحدى الحفر القذرة، كما قيدوا يديه وساقيه وعنقه بسلاسل حديدية مثبتة في الحائط، ‫ولما كان المؤيد على هذا الحال دعا ربه أن ينجيه من محنته وكان نذره إن فك الله قيده وملك مصر، أن يهدم سجن خزانة الشمائل ويبني على أرضه مسجدًا.‬ ‫هرب المؤيد من السجن وفر من مصر إلى الشام ولم يعد إلى مصر حتى مات السلطان برقوق عام ١٣٩٩م وتولى السلطنة ابنه الناصر فرج بن برقوق فقربه منه حتي قتل عام ١٣١٢م، ليعتلي المؤيد شيخ عرش السلطنة بعد أن ‬قاسى محناً وشدائد عديدة، ويقول المؤرخ ابن إياس الحنفي عن ذلك "حين تولى الأمير شيخ المحمودي الملك بالمقعد الذي بباب السلسلة، فكان أول من بايعه من العلماء جلال الدين البلقيني، ثم قدمت إليه خلعة السلطنة؛ وهي جبة سوداء مطرزة وعمامة سوداء وتلقب بالملك المؤيد". ‫

في بداية ولايته حدثت إضرابات و ‬شهدت مصر طاعوناً من أشد الطواعين التي رأتها مصر في تاريخها، انتشر الطاعون بين الناس فكانوا يتساقطون في الطرقات، حتى إن الواحد قبل خروجه من بيته كان يكتب اسمه على ذراعه ليعرفه الناس إذا مات في الطريق‫.‬ ‫

بعد ذلك شرع المؤيد في الوفاء بنذره فهدم سجن الشمائل وبنى مسجده الذي يعد تحفة معمارية عام ١٤١٥م، أنفق مبالغ كبيره على بنائه إلا انه عجز عن استكماله، فأخذ ‬ينقل إليه الرخام والأبواب والشبابيك المزخرفة والمشكاوات وغيرها من عدد من المساجد، بالإضافة إلى باب مسجد السلطان حسن بن محمد بن قلاوون الذي نقله المؤيد شيخ لمسجده ويعتبر تحفة فنية نادرة وهو باب خشبي مطعم بالنحاس، ولم يقتصر ذلك على المساجد بل طال بيوت العامة‫، ويستمر المؤرخ ابن إياس في وصف المشهد فيقول "أن والي القاهرة كان يهجم على البيوت ومعه عمال الرخام، ويقتلع رخام منازلهم كرهًا، ما تسبب في خراب بيوت كثيرة، وامتد الظلم إلى مسجد السلطان حسن فخلع بابه وجعله بابًا لمسجد المؤيد".‬

‫مما جعل المصريون يطلقون على مسجد المؤيد "المسجد الحرام"، كنوع من السخرية من أفعال المؤيد شيخ أثناء بناءه المسجد، ‬وبلغت تكلفة بناء المسجد سبعين ألف دينار‫، واستغرق بناءه ٦ سنوات، كما اقام به خزانة كتب زودها بكتب كثيرة في شتى العلوم وعين خازناً للمكتبة.‬

في خلال بناء مئذنة المسجد فوق باب زويلة حصل بها اعوجاج، فأشار المهندسون على المؤيد بضرورة هدمها، وأثناء هدم المئذنة سقطت بعض الأحجار على رجل فمات، فأصدر المؤيد قرار بحظر التجول في المنطقة لمدة شهر، وأعيد بناء مئذنة المسجد مرة أخرى.

سقوط المئذنة كان حدثاً مروعاً سجله عدد من شعراء ذلك العصر، ومنهم الشاعر شمس الدين محمد بن أحمد الجوجري الذي كتب يقول: منارة لثواب الله قد بنيت فكيف هدت فقالوا نوضح الخبرا أصابت العين أحجاراً بها انفلقت ونظرة العين قالوا تفلق الحجرا والتصميم الأصلي لجامع المؤيد شيخ كان يتضمن ثلاث مآذن اثنتان فوق باب زويلة وكانتا في الأصل منارتي باب زويلة، والثالثة قرب المدخل الغربي ولكنها انهارت في القرن التاسع عشر الميلادي.

وصف المقريزي المسجد بقوله: فهو الجامع لمحاسن البنيان, الشاهد بفخامة أركانه وضخامة بنيانه أن مُنشئه سيد ملوك الزمان، يحتقر الناظر له عند مشاهدته عرش بلقيس وإيوان كسرى، ويستصغر من تأمل بديع إسطوانة الخورنق وقصر غمدان.

وقال عنه السخاوي: أنه لم يعمر في الإسلام أكثر منه زخرفة ولا أحسن ترخيمًا إلا المسجد الأموي. ووصفه أوليا جلبي فقال: فهو أكثر المساجد جماعة بعد الأزهر، ثم إنه مسجد طلق الهواء نير يشرح الصدر. ‫

ودفن في ساحة المسجد الإبن الأكبر للمؤيد وكان يدعى إبراهيم، ولإبراهيم قصة حزينة فقد أحبّه المصريون كثيرًا، أرسله والده ليخمد إحدى الثورات في الشام ونجح في ذلك وبعد عودته ، تعرض للوشاية من ‬كاتم سر المؤيد "ابن البارزي" الذي حرض المؤيد على ابنه إبراهيم وأفهمه أنه يخطط لاغتياله والاستيلاء على الملك.

نتيجة الوشاية قتل المؤيد شيخ ابنه الأكبر إبراهيم حيث وضع السم له في الأكل، وقد ندم بعد ذلك على فعلته، فوقع المؤيد شيخ صريع المرض وتزايدت آلامه وارتجافاته إلى أن لحق ابنه بعد وفته بسبعة شهور فقط عام ١٤٢١م ودفن إلى جواره في المسجد، ‫كان المؤيد شيخ غريب الأطوار حتى أنه كان يُلقب بين المماليك بالشيخ المجنون، وحكم مصر ٩ سنوات .


ريال سعودي درهم إماراتي دينار كويتي دولار أمريكي
4.19 4.28 52.24 15.7

الأكثر قراءة

زاوية رأى

تابعنا على تويتر