السبت , أكتوبر 20 2018
الرئيسية / مجتمع الديــار / دكتور أحمد شلبي يكتب: الجرعة الزائدة …!!

دكتور أحمد شلبي يكتب: الجرعة الزائدة …!!

بقلم د . أحمد شلبي 

مستحيل …لا أحد يمكنه ان يأخذ كل تلك الجرعة ولا ينام…

مستحيل !!!

كانت هذه مكالمة تلقيتها من طبيب أشعة صديقي وكانت في وقت متأخر من الليل بعد يوم مجهد من العمليات وظلت تلك الكلمات تشغل بالي وأنا متوجه إلي مركزه

وما أن دخلت إلي غرفة الرنين حتى وجدته جالسا في حالة قلق منتظرني !

تنهد بإرتياح قائلا “الحمد لله إنك ما إتأخرتش عليا”

وكانت تربطني به صداقة قديمة

لذلك عندما إتصل بى لم أتردد لحظة واحدة للذهاب إليه …

نظرت إليه بشئ من الجدية : “خير إيه اللى حصل؟!”

نظر إلى السرير الممتدد فى غرفة الرنين

فتوجهت بنظري إلى ما ينظر…

فإذا برجل مستلقى فى حوالى الستين من عمره أبيض الشعر يميل إلى البدانة قليلا له لحية قصيرة ولكنها غير مهذبة توحى ملابسة بالثراء ولكنه غير مهندم على الإطلاق

هذا الرجل يعيش وحيدا أو يعيش مع بشر لا يتسحقون أن يطلق عليهم أنهم من بني آدم!!

سألت زميلي وأنا أنظر للرجل

“إيه المشكلة؟!”

قال” زي ما قولتلك في التليفون أنا إديته الحد الأقصى من الجرعة لكن هو مش بينام إلا فترة قليلة ويصحي بسرعة قبل إكتمال الفحص”

رددت عليه وأنا أنظر إلى الرجل وحركته الدائمة بيده وقدمه هل يأخذ أى نوع من الأدوية تتعارض بشكل او بأخر مع أدوية التخدير ؟

فأجابني بالنفى

فنظرت إلى فني الرنين موضحا بحزم قائلا

” أوقف الفحص”

دخلت أنا وزميلي داخل غرفة الفحص ..

تحرك السرير بشكل تلقائى ليخرج الرجل من أسفل المجال المغناطيسي…

كان الرجل يبدو نائما ولكن حركة يديه ورأسه مستمرة مما يعنى استحالة عمل الفحص

بالطبع هناك أسباب عضوية فى المخ تؤدى إلى مثل هذه الحركات ولكن هذا الرجل العجوز لم يشتكى من قبل من هذه الأعراض

الوضع يزداد غموضا ولا أدري ما العمل!!!

“تحب نزود الجرعة “

قطع زميلي حبل أفكاري بهذا السؤال.

تجاهلت سؤاله وسألته

“عندك هنا مبخر غازات لتخديره عن طريق الاستنشاق؟!”

هز رأسه مجيبا بالنفى

نظرت إليه قائلا بلهجه لا تقبل النقاش “الوضع خطير جدا ومافيش مجال زيادة الجرعة” نظر إلى زميلي قائلا

“ده كمان كان رأيي بس كنت منتظر ردك يمكن تغير مجري الأمور”

نظر زميلي إلى الفني وطلب منه دخول أهله

كان الرجل العجوز قد بدأ بالاستيقاظ

دخل رجلين إلى الغرفة يوحى مظهرهما بالثراء  كانا من الواضح أنهما أبناء هذا الرجل

كان زميلي يوضح لهما عن خطورة الوضع إذا تم زيادة الجرعة خاصة إن هذا مركز أشعة وليست غرفة عمليات مجهزة وبعدها ترك غرفة الرنين وذهب لفحص حالة أخري

قال أحدهما والعمل إيه!!؟

رددت عليه قائلا  ” في الحالات اللي زي دي يفضل عمل الرنين فى أحد المستشفيات ويأخذ تخدير كلى تحت مراقبة لوظائفة الحيوية بشكل آمن أكثر”

ظهر على وجوههما بعض الضيق وقال الآخر موجها كلامه إلى أبيه “بابا إستحمل شوية إحنا زهقنا وتعبنا فعلا”

رد عليهما الأب بصوت كله وهن وضعف

” والله يا إبني غصب عنى”

كنت أشعر بالرجل أنه لا يريد ان يثقل على ولديه

ولكنه بالفعل به شئ لا أعرفه …

ثحدثا الأبناء مع بعضهما ثم قالا “لو حضرتك محتاج تكلفة زيادة أو أى نوع تخدير غالي إحنا ممكن نشتريه”

رددت عليهما:

:الموضوع بعيد كل البعد عن الماديات والمهم في المقام الأول والأخير هو الأمان لوالدكم

رد عليا أحدهما :

“خلاص إحنا ممكن نوديه أحسن مستشفى في مصر كلها…..ثانية واحدة نتصل بعربية الإسعاف”

كنت قد  هممت بالانصراف وأنا فى طريقى للخارج

استوقفني إننى قد نسيت موبايلى فى غرفة الرنين رجعت فوجدت الرجل مستلقى وحيدا فى غرفة الرنين وفى عينيه دموع محبوسة تأبى الخروج

لم يكن أحد معه …

كان أحد ولديه يتحدث فى الموبايل والآخر ممسك التاب وفى إنشغال شديد ..

رأيت الفنى معه موبايلى: “التليفون يا دكتور”

نظرت إليه وقد جائتني فى رأسى فكرة ؟!!

وتفاجأ الفني من قولى

“خلى الموبايل معاك ودخلنى غرفة الرنين” ثم أكملت بهدوء وابتسامة ثابتة وطلبت من الفني أن يبدأ الفحص مجددا.

دخلت مع الرجل العجوز …

وبدء الفحص كل الأمور كانت تسير بهدوء

ثم بدء ف تحريك يده

أمسكت يده بهدوء وقوة وربت على يده

الغريب فى الأمر أنه قبض على يدى…..وإهتزاز يده قد توقف تماما!!!

وضعت يدى الأخرى على يده الثانية

استرخى جسم الرجل تماما وهدأ وكأني أعطيته الجرعة الكافية كي ينام ويهدأ… حتى إكتمل الفحص

تحرك السرير معلنا نهاية الفحص خرج الرجل وفى عينيه نظرة إمتنان وشكر سلمت عليه وخرجت

دخل ولديه بعد حوالى نصف ساعة قائلين

“خلاص عربية الإسعاف وصلت”

أجاب الفنى الفحص خلص الحمد لله.

أصابتهما الدهشة …

ولم يعلما أبدا ما حدث

علمت أن هذا الرجل العجوز لم يكن محتاج تخدير مطلقا….لم يحتاج إلي زيادة جرعة المخدر

ولكن كان يحتاج فقط إلى من يعطف عليه….إلي ولديه يحنون عليه…أن يعملا بكتاب الله كما قال في كتابه العزيز “وقل ربي إرحمهما كما ربياني صغيرا”

قد لا يحتاج والدك أو والدتك إلى مالك قدر ما يحتاجا إلى سؤالك أو تعاطفك أو حضنك أو لمستك الحانية.

ما ان رأنى زميلي حتى صرخ فى وجهى ..

” إنت فين يا عم أنا قلت إنت مشيت من غير ما تسلم عليا

رددت عليه

“الفحص خلص خلاص”

نظر إلي بذهول شديد قائلا

زوت الجرعة…صح!!!!

أجبته بإبتسامه “صح”

وهو لا يعلم أني زدت من جرعة العطف وليس المخدر

دمتم أصحاء دون ألم

شاهد أيضاً

شير في الخير.. متغيب عن المنزل منذ سبعة أشهر من قرية بني حميل بسوهاج

كتب – علاء الدرديري تغيب المدعو “محمد توفيق عبد الوارث” من يوم الجمعة 23/3/2018، البالغ ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *