الثلاثاء , سبتمبر 25 2018

الانتماء وعدمه

بقلم: حسين جبار

كنت في مكان ما أنا وصديق قريب لي نتردد عليه بين مدة وأخرى.

 وفي هذه المرة كنت أشرد كثيراً في تفكيري.

وكانت تسيطر علي فكرة واحدة: ما مدى انتمائي لهذا المكان؟

وانا أحاول أن أجد الجواب ظهرت أمامي مشكلة المحددات التي على أساسها أقرر انتمائي، أو انتماء أي أحد إلى أي مكان، من عدمه. نعم! أخذت المشكلة في رأسي نطاقاً بعيداً، نوعا ما، عن الذاتية، وفكرت بالانتماء للمكان وعدمه بشكل عام. وعند هذه النقطة شعرت بأن مشكلتي اصبحت مثل اخطبوط متعدد الأطراف!

إذ كلما اتسع نطاق المشكلة اتسع عندها نطاق الاحتمالات والحالات التي عليك مراعاتها. حاولت إيجاد محددات عامة فقلت أن الانتماء وعدمه يتحددان بنوع التفاعل الذي نخلقه مع المكان، المحيط الذي يغلفنا.

فرأيت الانتماء يظهر من خلال التفاعل الايجابي مع المكان، التفاعل المنتج، العمل والمشاركة، مع مصاحبة هذا لشعور الرضا عنه. أي أن العمل والمشاركة يكونان مصحوبان برضا الشخص عنهما.

أما غياب هذا الرضا الداخلي، وبدلا منه يكون هناك مجرد القبول السلبي الناتج عن عدم القدرة على تغيير المكان والخروج عليه، فعندها يصبح عندنا شعوراً أكيداً باللانتماء.

عند هذه النقطة شعرت بأني أتحرك فوق السطح، وفكرت بأني حددت الانتماء وعدمه بمحددات عائمة نوعا ما: فكم شخص يشعر بالرضا في العمل الذي يعمله وبالمكان الذي يعيش فيه؟

وهكذا وضعت معظم الناس في خانة اللامنتمين! بحثت عن النقطة التي اخطأت في إصابتها-الاصرار هذا كان سببه شعوري العميق أنا نفسي بعدم الإنتماء!

– وهنا خطر في ذهني أن الانتماء وعدمه لهما عدة أنواع-ربما أولها، واهونها كذلك، النوع الذي ذكرناه فوق- أو بعبارة أدق يتحركان على عدة مستويات. هناك مثلا الإنتماء واللانتماء السياسيان، والمجتمعيان: الدين والثقافة، وهناك الانتماء وعدمه الاقتصاديان: الشعور بعدم الانتماء الطبقي، وهذا النوع له ارتباط كذلك مع النوع الثقافي المذكور سابقاً، وإن كان ارتباطاً مشوشا لن أخوض فيه هنا. والأهم من كل هذا هو الإنتماء وعدمه الفكريان، وهو النوع الذي يهمني هنا. لهذا النوع الأخير-عدم الانتماء الفكري- خصوصية مهمة جداً، وذلك أنه ذاتي إلى أبعد الحدود، وذو دائرة واسعة وضيقة في الوقت نفسه. فمثلا لو أخذنا عدم الانتماء الطبقي فإنك لست وحدك تتحمل عبء هذا الشعور ذلك أن كل عائلتك تشاركك وربما جارك وناس آخرون من حولك، وهو بعد كل شيء احساس مجتمعي عام لا شخصي. وهكذا بقية الأنواع.

أما عدم الإنتمائي الفكري فقد تشعر به وانت بين أهلك، بل ربما أقوى شعورك فيه وأنت بينهم! انت تفهمهم وتقدر أفكارهم مهما شعرت بأنها ساذجة وبسيطة، وأنهم لم يبذلوا أي جهد فيها بل جاءتهم هبة عن الأجداد! وبالمقابل هم لا يفهمونك، وهذا مفهوم، لكنهم لا يقدرون ما تبذله من جهد في سبيل التفكير، والأدهى، أن يقفوا جدراناً في سبيل أشعة عقلك المنطلقة! وأنا أعتقد أنه عند هذه النقطة يبلغ عدم الإنتماء ذروة قسوته: ذلك أن التفكير هو ميزة الإنسان ومنع الانسان من ممارسة حقه في التفكير هو منعه من أن يكون إنساناً! وتظهر قسوته كذلك في ضيق المساحة-المكانية- التي يعطيها لك-في حال بلغ عدم الانتماء حدود العائلة- وهذا “الضيق المكاني” له تأثير ضاغط على العقل، وربما هناك من يستسلم بسبب صعوبة الوضع. قلت أن هذا النوع من الإنتماء يتميز بأنه ذو دائرة فعل واسعة وضيقة في الوقت ذاته، وقد تكلمت عن الأخيرة، أما الأولى فإنها قدد تتوسع فتشمل القرية والمدية والوطن، وربما، وهنا ندخل في نوع آخر من عدم الإنتماء!، العالم كله! وهذا النوع الأخير يمكن أن أسميه “عدم الإنتماء الوجودي” ولا أدري حقيقة ما مدى دقة التعبير! وهذا النوع بلا شك هو أبشع أنواع اللانتماء، وأجمل أنواع الإنتماء، إن وجد!. وهذا هو الذي يخلق العظماء، والتعساء كذلك. وربما كان الأنبياء لامنتمون وجودياً! ذلك أن الأنبياء يسعون لخلق “عالم جديد

شاهد أيضاً

من أجل انقاذ سفينه الوطن

بقلم : ياسر فراويلة لا شك أن هناك تسارع في تواجد فوارق طبقيه خطيرة تشكل ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *