الثلاثاء , نوفمبر 20 2018
الرئيسية / القسم الأدبي / مقالات الرأي / علاء الدرديري يكتب: أبناء وقتله

علاء الدرديري يكتب: أبناء وقتله

بقلم : علاء الدرديري

إتسعت رقعة العنف والجريمة في المجتمع، لتطال حصن التربية والتنشئة وتدخل في صلب الأسرة، فلا يكاد يمر يوم دون أن تنقل وسائل الإعلام خبرا عن وقوع جريمة أو عن ممارسة أي من أنواع العنف بين أفراد الأسرة الواحدة أو العائلة الواحدة، بسبب تخلي الأباء عن أهم قضايا التربية، مما خلق نوعا من عدم الإهتمام بالأبناء وقلة السؤال عنهم باستمرار، ما ساعد كثير من الأبناء في أن يتصرف كل بطريقة معينة، وأصبح كثير من الأباء لا يعرفون شيئا عن أبنائهم، ولا عن أصدقائهم، ولا عن دراستهم او في أي مرحلة يدرسون، ولا مع من يقضون أوقات فراغهم، حتي أدي بهم ذلك إلي الإنحراف الأخلاقي والسلوكي، او قد ينتهي بهم الامر الي الادمان او السجن.

ويرجع العديد من الخبراء في علم الاجتماع ذلك إلى حجم اليأس والإحباط الذي أصاب المجتمع برمته، فيما يعزوه آخرون إلى تفكك الروابط الأسرية وعدم قدرة الآباء على تربية أبنائهم تربية سليمة، فعصر الحداثة سمح لكثير من الشباب بمزيد من الامكانيات التي تقوده الي الإنحراف وتعاطي المخدرات ومن ثم إلي عالم الجريمة، مع العلم أن المجتمعات في الماضي لم تخلو من تعاطي المخدرات، لكن تلك المواد التي كانوا يتعاطونها في الماضي لم تكن تتعدي التبغ والمشروبات الكحولية والافيون، وكانت أعمار المدمنين في الماضي تتعدي العشرون عاما، أما العصر الحالي وما يشهده من تقدم تكنولوجي جعل الشباب يلجأ إلي بعض العادات المستهجنة والقبيحة مثل تعاطي المخدرات وادمانها في العقود الاولي من أعمارهن، ولم يقتصر الامر علي الذكور بل شمل الاناث، مما أدي إلي كثير من الاضرار الاقتصادية والاجتماعية “قتل، سرقة، دعارة، قمار، فساد، عنف، حوداث سير، حوادث انتحار” الخ… وهو أمر بدا ملحوظا خلال الأشهر الأخيرة خصوصا في ما يتعلق بالجرائم داخل الأسرة.

كذلك لجأ كثير من فئات الشباب الي إدمان المواد المخدرة تحت حب الاستطلاع، والإعتقاد الخاطئ لديهم بأنها تساعد على النسيان وتزيل القلق والتوتر، دون المبالاة بالعواقب، حتي انقادوا في احضان الرذيلة بشكل لافت للإنتباه “الزنا، الاغتصاب، الخيانة الزوجية”، وإرتكاب جرائم القتل التي قد تبلغ حدا من البشاعة لا يتقبلها الإنسان العادي لأنها ارتكبت بين أفراد الأسرة.

وكثير من الابناء تجردوا من مشاعرهم تحت مفعول وتأثير المواد المخدرة للتحول الي أداة تمتص رحيق جيوبهم، لتحولهم إلي ذئاب بشرية تجعلهم لا يشعرون بالحنان تجاه أبائهم وامهاتهم، وجعلتهم يتطاولون عليهم ليس فقط بخشونة وقسوة الحديث والالفاظ الجارحة التي تمس القلب والمشاعر قبل العقل، بل وصل الامر بالبعض الى ان امتدت يده بالضرب على امه وابيه، وربما وصل به الحال الي قتلهم.

وتظل أبشع الجرائم تلك التي يرتكبها الأبناء في حق الآباء أو العكس، فهي تشد انتباه الرأي العام لأنها تمس أقدس أنواع العلاقات الإنسانية والأسرية، الأمر الذي يصفه المختصون في علم النفس والاجتماع بأنه انهيار قيمي وأخلاقي أصاب المجتمع، وتسرب إلى الأواصر الأسرية.

فلو التزم كل مسلمٍ بتعاليم الإسلام في تربية أبنائه، لوجدنا جيلاً من الشباب الصالح المتدين العارف بربه المتمسك بكتاب الله وسنة رسوله، الحريص على مصلحة وطنه وحمايته من كل خطر، وصيانته عن كل منكر، لكننا نلاحظ أنّ كثيراً من الاباء يهربون من هذه المسئولية، ويعرضون أبناءهم للضياع، ويتركونهم للإنحراف، وكم من ولد جرّ على أهله الخراب والدمار، لسوء أدبه، وقلة حيائه، وكم من فتاة ألحقت بأسرتها الخزي والعار، لأنها تركت بلا رقيب، وسارت في ركب الشيطان بلا حسيب.

ويلاحظ المتأمل في أغلب القضايا المنشورة في مجال العنف والجريمة في إطار عائلي، أن من أبرز أسباب الاعتداءات أو القتل التي حدثت مؤخرا في المجتمع، نجد بطالة الشباب والمراهقين والإنحراف في صفوف نسبة هامة، منهم ما يجعلهم يتواكلون على الآباء ويطالبونهم بتوفير مصاريفهم اليومية التي تتجاوز إمكانيات الأبوين في أغلب الأحيان، فتنشب الخلافات والصراعات بين الطرفين، التي قد تصل إلى ارتكاب أحدهم جريمة في حق الآخر، بالإضافة إلى الخلافات المادية والخيانة بين الزوجين وغيرها من أسباب انعدام التفاهم والتواصل بين الوالدين مثل غياب الحوار، ما يجعل الأقوى يلجأ إلى لغة العضلات وأحيانا إلى القتل العمد.

فالأسرة هي المحضن الأول الذي ينشأ فيه الأبناء، ورب الأسرة وزوجته كلاهما شريك الآخر في تلك المؤسسة الاجتماعية التي أمر الإسلام برعايتها والحفاظ عليها، ولا يمكن أن يتحقق النجاح للأسرة إلا إذا تعاون كل من الرجل والمرأة في تربية الأولاد، والولد يتأثر بوالديه في أخلاقه وسلوكه وتصرفاته واتجاهاته الدينية والعقائدية.

لذا ينصح المختصون في التربية والخبراء الآباء والأمهات بتنشئة أبنائهم على إحترام الآخر واحترام حقه في الحياة، وكذلك على المحبة بين أفراد الأسرة الواحدة. ويؤكدون على ضرورة النأي بالطفل عن أجواء التوتر والعنف اللفظي والمادي داخل البيت، مع توفير الإحاطة والرعاية النفسية في جل مراحله العمرية، وتدريبه على الحوار والقبول بالرأي المخالف في الأسرة وخارجها، لكي لا يلجأ إلى لغة الجسد والعنف.

قال الله تعالى في وصية لقمان لابنه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ . وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ . وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للحسن لما أخذ تمرة من تمر الصدقة: «كِخْ كِخْ»؛ لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: «أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟!» (متفق عليه، وهذا لفظ البخاري).

فما أحوج الآباء والأمهات إلى هذا الهدي القرآني والنبوي في تربية الأجيال، فإنه من أهم وأخطر ما تحتاج إليه الأمة في حاضرها ومستقبلها، وهو أهم ما تبذل فيه الحياة، وتنفق فيه الأوقات، وهي مهمة كل راعٍ فيما استرعاه الله، ومهمة الآباء في أبنائهم وبناتهم وأهليهم، ومهمة الأمهات كذلك، فاحرصا أيها الأب وأيتها الأم على أن ينشأ ولدكما على الإسلام والأخلاق النبيلة، ولا تعتذرا ولا تتنصلا عن دوركما بحجة كثرة المشاغل، فلعل ولدك يكون أمةً، أو يهدي الله به أمةً، أو يكون واحدًا ممن يعيد للأمة مجدها وعزها، بل يكفيك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (رواه مسلم).

شاهد أيضاً

الدكتور علي جمعة المفتي السابق يكتب: مولد النور (٣)

  هلا دخلنا في دائرة الحب لرسول الله ﷺ، وجعلناه أسوتنا واتبعناه حقا، ففي زمن ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *