الخميس , سبتمبر 20 2018
الرئيسية / أخبار / هشام الجخ يبيح بصدماته النفسية لرشا الجندي

هشام الجخ يبيح بصدماته النفسية لرشا الجندي

هشام الجخ يبيح بصدماته النفسية لرشا الجندي

كتب / وليد جمال

يصمت، يتذكر، يحن، يشعل سيجارته، يفضفض ثم يبكي

ينفعل، يهدأ، يتناول قهوته وهو يتأمل مشواره، ثم يستعيد قواه

يروي بدون قيود صدماته في الوسط الفني، صدماته العاطفية، الاجتماعية، المهنية والقدرية

ليعترف في النهاية: صرحت في هذا الحوار بكلام ما كان لي ان اقوله

ان بداية اي موضوع او حوار يتم تقديمه للقراء في صفحات المجلات او الجرائد، يتم اعداد مقدمة تعريفية لضيف الموضوع. وهذا ما يستوقفني الان بالفعل. كيف سأقدم ضيفي الان؟!! بعد جلستي الخاصة معه ما يقرب من خمس ساعات متواصلة لمحاولة الابحار في عالمه النفسي الشعوري واللاشعوري، والتعمق في كل تفاصيله التي قد تكون بمثابة اسرار خاصة، ولكنها تستحق ان يستفيد منها قراءه وجمهوره لعلها تكون بداية تحول هامة في محطات الكثير باعمارهم المختلفة، اطفال كانوا او مراهقون او شباب او في مرحلة النضج.. نعم، لقد قررت عن اقتناع تام بحكم خبرتي كاستاذة بالصحة النفسية ان اقدمه قائلة انه ” هشام الجخ ” واسمحوا لي جميعا ان لا ازيد في وصفه المهني لان من منا يجهل التعريف المهني به، وانجازاته المتميزة. ولكن السطور التالية قد تحمل التعريف الداخلي النفسي الذي يغيب عن علم الكثيرون حول هذا الانسان .. كيف يمكن لانسان بسيط ان يصل لنجاح وشهرة هويس الشعر العربي رغم كل الصدمات والصعوبات وضغوط الحياة ؟

عزيزي القارئ: لصحتك النفسية ادعوك للتعمق في قراءة هذه الجلسة.. التي سأختتمها بتحليلي النفسي لشخصية هذا النجم..

اين كانت جلستنا ؟ وكيف بدأ الكلام؟

لم اكن لأحاوره كصحفية ولذا فعلم النفس أجبرني على ترك حرية اختيار المكان والزمان والتوقيت له، ولذا فلقد اختار ان يبيح بصدماته على ضفاف النيل بمنطقة المعادي بالقاهرة الكبرى. وهذا ما توقعته من انسان مبدع، فبالطبع سيختار اكثر الاماكن هدوء، يحيطها ما يكفي لاثارة التعبير عما بداخله من طبيعة نهر النيل والسماء الصافية.

دخل كعادته مرحبا بلقاء الاخرين، تتميز بوجهه ابتسامة الانسان الودود، ثم جلس كالطفل المشاغب الخجول وبعد ان تركت له فرصة كافية للدردشة في مواضيع عامة، وشعرت بأن مرحلة التهيئة لبداية الغوص في اعماقه قد انتهت. هنا فقط وجهت له سؤالي الذي سيكشف لي عن مبررات تفاصيل حياته، ما هو اول مشهد تتذكره من حياتك؟

رفع رأسه لأعلى وصمت لثواني يسترجع ما كان، ابتسم ابتسامة فكاهية قائلا:  انا التحقت بالصف الاول الابتدائي ثلاث مرات. امي كانت مديرة مدرسة، وانا اصغر اخواتي، الفرق بيني وبين امي 34 سنة، فكان عندي اربع سنين، كانت تلبسني زي المدرسة وتاخدني معاها تدخلني الفصل، اسمع واتعلم واحل الواجب وكل حاجة ولكن وقت الامتحانات مش بمتحن، والسنه اللي بعدها نفس الحكاية. كنت بتفاجئ ان اصحابي اللي كاونا معاها انتقلوا الصف اللي بعده وانا لسه في نفس الصف، وهكذا. لحد ما اكتشفت ان انا اصلا مش مقيد بالمدرسة. ويضحك بصوت منخفض معبرا ” ده كان اول سيرك عيشته في حياتي ” بعدها فهمت انها كانت بتعمل كده عشان مش هينفع تسيبني لوحدي في البيت فمضطرة..

عقدة ابن الناظرة..

اكتر عقدة لا انساها تماما مهما مرت السنوات للان هي عقدة اني كنت ابن مديرة المدرسة. وده اكيد له مسمى في علم النفس عندكم. تخيلي كنت بذاكر مهما اذاكر واطلع الاول على الفصل، واتعب واجتهد، ولكن كل اصحابي اللي حوليا في الاخر بينسبوا ده مش لمجهودي ولكن لاني ابن مديرة المدرسة، كانوا فاكرين اني مش شاطر ولكن انا بطلع الاول عشانها. فضلت العقدة دي عايشة معايا لحد ما دخلت مرحلة اعدادي لاني وقتها بقيت في المدرسة اللي امي مش فيها.. انا كنت حاسس داخيا اني منسوب لشخص اخر.

مجتمع الصعيد..

عندنا في الصعيد مش بيتم نسبنا للبلد اللي عشنا فيها، ولكن بينسبونا للبلد التي ينتمي لها اجدادنا واعمامنا يعني للبلد اللي بندفن موتانا فيها. وبالتالي فانا من مواليد سوهاج وعشت فيها ولكن مش هينفع يتقال غير اني من قنا.. وبصفة عامة انا لم اعيش في الطفولة صدمات طبقية مثل المتواجدة حاليا. لان كلنا كنا مستوى اجتماعي واحد.

والدي تزوج اربعة ولي اثنان وثلاثون اخ واخت.

نحن اثنان وثلاثون بنت وولد، توفى منهم مجموعة وعاش سبعة عشر. انا كنت رقم 8 في اخواتي اللي عاشوا..

سكت للحظات .. ثم ارتخى بظهره على مسند الكرسي وقال بتعبير المبتسم الفخور: كنت بحب اقلد اخواتي الصبيان الاكبر مني في كل الحاجات الغير مناسبة لعمري لانهم كانوا يكبرونني في العمر بسنوات عديدة، فأنا طفل وهم مراهقون وشباب. شربت السجاير، وكنت عارف ان صعب حد يضربني في الشارع عشانهم فكنت بستفز الناس عشان اتخانق معاهم ..

وازداد في عينيه بريق الحنين للطفولة الذي جعلني من الصعب تخطي هذه المرحلة. وبالفعل استرسل في ذكرياته قائلا: كل اخواتي كانوا طوال القامة، وكانوا بيلعبوا رياضة رفع الاثقال ولكن في العمر المناسب لذلك. ومن شدة تأثري قمت بتقليدهم في رفع الاثقال مثلهم وادركت فيما بعد ان هذا كان له تأثير سلبي على طول قامتي.

احببت ابي اكثر من امي..

ابويا كان مش عايش معانا، كان بييجي بيتنا كل اسبوع مرة واحدة، وبالتالي كان بيدللني ويعطيني فلوس اكثر. وكطفل كنت اشعر انني احبه اكثر بكثير من امي صاحبة الممنوعات والقوانين في التربية. ولكن فيما بعد ادركت بالفعل ان فضل امي كان اكبر بكثير من ابويا.

زوجات ابي ..

لم اشعر ابدا بالغيرة تجاه زوجات ابويا او ابناءهم لانني نشأت على هذا الوضع، فلم اجرب الشعور الثاني بأن الاب لنا فقط حتى استطيع ان اقارن بينه وبين الشعور الذي عشته. ولكن كل ما اتذكره وكنت اشعر به أن بيوت زوجات ابي كانت بمثابة الملجأ المدلل لي، لانه كان يفرض قوانينه بأن لا يحق لأي منهن ان يعلو صوتها على غير ابنها. ولذا فعندما كنت اريد الحرية اذهب الى بيوتهن والعكس عندما كانوا اخواتي من غير الام يريدون نفس الشعور يلجأون الى منزلنا وهكذا.

انا كويس..

لم يكن هشام لينتقل من مرحلة الطفولة، فما اكثر استمتاعه بالحديث عنها وما اوضح من حنينه لها .. وما كان لي سوى محاولة الانتقال معه للمرحلة التالية دون ان اقوم بحرمانه من متعة هذا الحنين .. ولذا اختتم هذه المرحلة قائلا بلغة النصيحة: قولوا لأولادكم انهم كويسين، لان انا لولا اتقال لي اني كويس من الاكبر مني لولا اني قدرت اتخطى الصعاب .. كانت عندي عقدة ابن الناظرة ولكن دي كانت من اصحابي اللي في نفس عمري، ولكن الاكبر مني كنت بسمع منهم كلمة اني شاطر، اني موهوب، اني كويس، اني ناجح مش فاشل .. عشان كده نجحت..

اول بيت شعر كتبته في حياتي..

لئن يوما سلبوك الحياة .. فياليتني اكون عدمك

كتبت هذا البيت وانا في الصف السادس الابتدائي .. كنت بقرأ كتير، قرأـ موسوعة ” شوقي أبو ضيف” الشعر العباسي وانا في اعدادي..

تغيرت ملامح وجهه التي توحي بذكريات معاناة مسترسلا: شقيت في البحث عن المعلومة، بعكس الان الانترنت سهل كل حاجة على الناس..

ثم قام باشعال سيجارته، واخذ النفس الاول منها، وهدأت نبرة صوته معبرا: كان الشعر بالنسبة لامي كلام فاضي، انا كنت في نظر امي لحد ما ماتت الابن الفاشل اللي مضيع وقته في الشعر، وان الشعر معطلني عن الدراسة.. امي كانت عاوزاني اطلع ( خوجة ) وكلمة خوجة دي باللكنة الصعيدي ومعناها المعلم او المدرس.

صدمة المجتمع الذكوري..

صمت لثواني بعدما اراح ظهره للخلف متأملا في السماء، ثم طلب فنجان قهوة.. واتخذت انا دور المنصت المتلقي المتأمل في تفاصيلة الخارجية لمحاولة الوصول منها لاحاسيسه الداخلية..

عاد لحديثه قائلا: كنا في مجتمع الصعيد الاولاد منفصلين عن البنات، المجتمع كان ذكوري. يعني التعامل مع البنات في حدود بنات العم والخال وفي حدود ضيقة جدااااا .. يعني في تجمعنا في المناسبات العامة كالافراح مثلا، صعب جدا اسلم على بنت عمي او بنت خالي اللي في سني او اصغر مني، وانما ممكن اسلم بشكل سريع على الاكبر مني. وبالتالي طموحي كان اني اعرف بنات، وطبعا ده كان بيشركني في مشاكل كتير، ولكن في اطار مجتمعنا لان من المستحيل اني كنت اتمادى لان معروفة العائلات في الصعيد وانا ابن مين وغيري ابن مين وهكذا، وبالتالي اي تصرف غير لائق مني او تجاوز للحدود كان ممكن تطير فيها رقاب وبالتالي كنا في سن المراهقة بنترعب ونخاف من النقطة دي..

كان طموحي الانحراف ..

كانوا البنات في مجتمعنا وقتها عددهم 4 اللي معروفين انهم ممكن يتجاوزا ويكلموا اولاد .. وبالتالي كنت منحرف جدا في خيالي وطموحي اني اوصل لواحدة من البنات دول، وكنت ملتزم جدا مع باقي كل البنات.. ولكن للاسف كان اقصى طموح خيالي في السن ده طموح فكري فقط. ولكن لم استطع الوصول اليهم بسبب قيود مجتمع الصعيد التي لا تسمح بأبسط خيال في هذا الانحراف. ثم ضحك ضحكة الضاحك على فكاهة وفي نفس الوقت امتزجت ضحكته بنبرة توحي بالتقدير لهذه الايام، وكأن هذا التقدير يمنعه من وصول ضحكته لمرحلة الاستهزاء. وان اراد لاشعوريا ذلك..

اصبت بالاحباط الرياضي..

كل صدماتي في مرحلة المراهقة كانت صدمات رياضية .. كان عندي مدرب كورة القدم اسمه “عمر” وكان مخليني ( باك) وانا نفسي ابقى (وينج) .. اتدربت سنة ونصف وبعدها جاني احباط وتركت لعب الكرة.

ومن اكثر المواقف العالقة بذهني ومستحيل انساها .. كان الكابتن مخليني في الاحتياطي في احدى الماتشات وبالفعل فريقي كسب (3 – صفر).. وكان في ولد زميل اسمه ” سمكة” ده كان في الفريق المقابل.. فلما خسروا قام سمكة بصوت عالي في وسط الملعب قال للمدرب : يا كابتن ما تنزل هشام يلعب عشان نتعادل .. وضحك الجميع على جملته الساخرة التي اوحت لي وقتها انني فاشل في الكرة..

مواقفي مع الرياضة المختلفة التي مارستها نجحت في احباطي. مارست رياضة الكارتيه، السلة، السباحة، البينج بونج وكرة القدم..

ولكن الرياضة نجحت في احباطي لاني استسلمت لاحباطي فيها، ولكن لو لم استسلم، لكنت استطعت النجاح بها..

من الصعيد للغردقة .. من الانعزال للانفلات..

وهنا تحولت لغة جسد هشام الجخ، حيث قام باشعال سيجارته، وسيطرت عليه عزة نفس، واضعا قدم على الاخرى، قائلا: اكبر مرحلة انتقالية في حياتي كانت في عمر الشباب، وهي الانتقال من مجتمع الصعيد الذكوري المنعزل الى مجتمع الغردقة المنفلت بشكل حقيقي.

سافرت الغردقة عشان اشتغل، فلقيت كل الحاجات متاحة، كل الحاجات اللي كانت ممنوعة في طفولتي اصبحت متاحة الان. الخمور، النساء ….الخ.. شعرت بالسعادة لمدة شهر او شهرين ومن ثم تحول شعور السعادة الى النفور والاشمئزاز..

توقف قليلا عن الكلام ثم نظر للارض .. الاساس جوايا من التربية والمبادئ اللي نشأت عليها حسيت قيمته في الوقت ده. الاساس ده كان هو اللي بيفرملني ويرجعني. جربت كل حاجة ولكن المعدن اللي جوايا هو اللي منعني من اني اتجه اتجاه يدمر حياتي..

كان ممكن ادمن مخدرات بسهولة، كان ممكن انغمس في كبائر الاخطاء.. ولكن حسيت ان ربنا كان بيحبني وبالتالي سيطر على تصرفاتي الجانب الخير من تربيتي في الطفولة..

فقدان السند..

طبعا كانت من اكبر الصدمات كمان اني الغربة بتجبرني على اني اعيش بنفسي.. بدون اخواتي وعيلتي اللي الناس كانوا بيعملوا ليهم حساب.. اذن كان بسهولة ان حد يتخانق معايا. عكس ما كانت حياتي من قبل. وكان بصعبوبة اني ألجأ لحد يحميني لأني فقدت وجود الحماية هناك. هناك حمايتي كان ذراعي..

وضع فنجان قهوته .. ونظر لي نظرة المقدم على استرسال كلام مهم جدا.

الانتقام ؟؟

كنت بشتغل عشان استمتع واشوف عالم جديد.. ومن اكثر المواقف التي لا يمكن ان انساها في حياتي، انني كنت اعمل مقدم طلبات في مطعم، وكان مديري في العمل انسان متعصب جدا. كنت الصعيدي الوحيد في زملائي، تعصبه جعلني اعيش اسوأ شهرين تحت قيادته في عمري كله. كنت انام ساعتين فقط وباقي اليوم يجبرني على العمل. توقفت عن كتابة الشعر. لم يكن ليشم رائحة جميلة مني الا وزاد تعصبه معبرا ” من اين وجدت وقت للاستحمام.. اذن انت اهملت في العمل “.

لا اروي هذه الواقعة على انها قصة نجاح، ولكنها قصة صبر. لم اكن اعلم متى سينتهي عملي تحت ادارته. ولكن كنت اتحمل وانا على يقين بأن ما انا به فترة مؤقتة ستزول قريبا. ولذا جازاني الله عن صبري وعوضني مباشرة بعمل اخر. لو كان الراجل ده نجح في احباطي لكنت بسهولة تركت العمل وتركت الصبر وعدت الى الصعيد مرة اخرى بفشلي. ولكن الصبر كان مفتاح لتخطي هذه الصدمة.

نظر لي نظرة المنتصر المتعجب من حكمة الخالق معبرا: انتي عارفة اما مرت الايام حصل ايه؟

انتهيت من عملي في الغردقة وقررت العودة على جامعة في القاهرة. وبالفعل تم تحويلي لجامعة عين شمس. وفي بداياتي تقلدت منصب رئيس المركز الثقافي بالجامعة، وسافرت مع احد الوفود لاحدى الدول العربية بصفتي رئيس المركز، واذا بي اتفاجأ بأن هذا الشخص المتعصب هو مقدم طلبات بمطعم هناك وانا الضيف الذي يقوم هو بخدمتي. في هذه اللحظة ناديته بكابتن فلان مثلما كنت اناديه وقتما كان مديري.. هنا هشام تحولت ملامحه حتى شعرت بالفعل انه اشفق على هذا الرجل، ولم يكن سعيدا لانه رأه في هذا الحال، ولم يكن لينتقم منه.

اول صدمات الوسط الفني مع الاعلامي الكبير..

كانت لي زميلة في الجامعة قالت لي اجمل خبر في حياتي.. ايه رأيك يا هشام اطلعك ضيف في برنامج كذا للاعلامي فلان الفلاني. كان وقتها هذا البرنامج هو البرنامج الوحيد والاكبر في التليفزيون المصري في عصر لم تكن فيه البرامج والفضائيات الكثيرة الحالية متاحة كالان.

يأخذ نفسا عميقا، ثم يشعل سيجارته ويتحدث بنبرة الحالم: كانت اجمل لحظة في حياتي، منها ذهبت فورا لأقترض اموال من احدى اصدقائي واشتري ملابس جديدة، واصفف شعري بأجمل ما يمكن، واجهز كل تجهيزاتي لأول واهم لقاء لظهوري على شاشة التليفزيون. الى ان جاء وقت التصوير فاخذت تاكسي بتكلفة كبيرة لكي احافظ على لامعة حذائي. دخلت الاستديو بكل طاقة وحماس. كنت اظن ان البرنامج على الهواء مباشرة ولكنني اكتشفت وقتها انه مسجلا.. جلست في البداية بين الجماهير في الصف الاول. بدأت الحلقة وكانت عن تعدد الزوجات. وكانت جميع وجهات النظر التي يتم طرحها من الضيوف الرجال والنساء ضد ان تكون للرجل اكثر من زوجة واحدة.. وجلست انا مستمعا الى ان جاء وقت فقرتي.. استدعاني الاعلامي الكبير للاقتراب منه، وقام بالترحاب بي ” انت الولد الشاعر اللي بيقولوا عنك “. انت منين؟ انا من الصعيد. هايل طبعا موضوع حلقة النهاردة انتوا المنبع له . انا ابويا متزوج من ثلاث نساء. طبعا اكيد انت بتعاني من زوجة ابيك؟ لا خالص بالعكس بتدللني كتير.. طبعا بتتضايق من ان ابوك مش معاكم طول الوقت؟ لا خالص هو بييجي يوم واحد في الاسبوع وبحس في اليوم ده انه بيديني وقت كبير. طبعا امك متضايقة من الوضع ده؟ بالعكس بيحبوا بعض ومافيش مشاكل. طبعا امك مش متعلمة؟  بالعكس امي ست تربوية مديرة مدرسة. طيب طيب قولنا الشعر بتاعك ..

وبالفعل قولت الشعر وانا في قمة سعادتي وخرجت من الاستديو وفورا قمت بشراء كارت ميناتل لو تفتكروه، واتصلت بأهلي وناسي في الصعيد كلها اني طلعت في برنامج كذا وهيتذاع يوم كذا مع فلان الفلاني. واهلي وناسي هناك مش مصدقين. وانا احلف لهم واقولهم والله العظيم شوفوا الحلقة يوم الاربعاء اللي بعد الجاي والله قولت شعر وصقفولي..

وتنهد الجخ تنهيده كبيره، واحتلت ملامح الحزن وجهه، وامتزجت نبرته الحزينة بنبرة التعجب مع الانكسار قائلا: وبالفعل في يوم عرض الحلقة وعشان انا كنت في الصف الاول مع الجماهير فأنا راكور فطالع في الكاميرا، لكن الفقرة الخاصة بي تم حذفها بالكامل.

وتمر الايام ” يبتسم الجخ ابتسامة الراضي عن عطاء الخالق ولكن بدون شماتة ” .. مرت الايام وجيه اليوم اللي كنت انا من اهم المدعوين في قائمته لحضور حفل مناسبة هامة لديه. تلقيت مكالمته وجلست طوال الليل مترددا بين اقول له ام لا؟ لحين وقت وانا على باب الحفل مازال التردد ينتابني، ولكنني لم اعاتبه ولم اذكره بشئ بل كفاني تعويض الخالق باستقباله واستقبال الحضور .

مكالمة فراق حبيبته الوحيدة ” نانا “..

نانا كانت الحب الاول، العنيف، العفي، النشيط، المثالي، النموذجي، الحي،المتحمس.. قاطعته.. تقصد الصادق؟ نعم الصادق..

صدمة فراقي لنانا كانت الصدمة العاطفية الوحيدة في حياتي، وكل ما بعدها من النساء كانت علاقات ثانوية ليس لها تأثير.

توحد مع احياء مشاعره بتحويل نظره عني، والتوحد مع السماء معبرا: كنا مع بعض ثلاث سنوات ونصف، انا عندي 20 عام وهي 18 عام. وفجأة تلقيت مكالمة تليفون منها قررت انها تتركني بمكالمة تليفون..

هل فاكر المكالمة دي؟

نظر للارض وأطفأ سيجارته قائلا: ( يا هشام ما تتصلش هنا تاني ).. افتكرت ان في حد جنبها فسألتها ( في حد جنبك ؟ ) (بقولك يا هشام فأكيد ما فيش حد جنبي).. قفلت السماعة ولم اتصل بها نهائيا حتى الان. ولا حتى سألتها ليه؟ لا لم أسالها كانت كرامتي وعزة نفسي المانع الاساسي ..

ولو عاد بيك الزمن هتتصرف نفس التصرف؟

لا مع مروري بخبرة الحياة والتقدم بالعمر فكنت بالتأكيد سأوجه لها سؤالي لماذا؟ وكنت سأحاول النقاش معها.. ولكن لم اكن لأطاردها..

تخلصت من هذه الصدمة بالسفر للقاهرة، والاصرار على النجاح، وكتابة الاشعار.. اتوجع اتألم لا مانع ولكن تقف حياتي كرجل وينتابني الاحباط لا مستحيل.

ثم اختتم كلامه عنها: انا بانتظار يوم القيامة علشان أسالها لماذا فعلت هكذا..

دفنت ابنتي وامي وابي بيدي وهذه الصدمة الاكبر..

كل ما سبق صدمات ولكن الاكبر عندما ماتت ابنتي “جويرية” بسرطان الدم وهي تبلغ من العمر ثلاث شهور..

بدأ في الاعتدال فاستعديت لاستقبال خلاصة الحياة. وبالفعل قال: الذي عافاني من هذه الصدمة هو التدريب الذي تلقيته في حياتي من حفظ القران الكريم، الاختلاط بالكبار وسماع قصصهم حول فقدانهم لحبايبهم بالموت، انصاتي لكلام الاديان والروحانيات، قراءة الكتب والعلم.. هذا التدريب الغير مباشر هو الذي ألهمني الصبر والقوة والحمد.. ان الحمد والصبر ليس بعد مرور المشكلة وانما وقتها، وانا اقوم بدفتها كنت اردد الحمد لله. اللهم لا اعتراض.. ولذا عوضني ربي بحمزة ابني بعدها وكأن الخالق يقول لي هذا جزاء حمدك ورضالك وصبرك..

دموع لاارادية..

اما امي فهي اتوفت بطريقة غريبة.. امي لم تكن مريضة !! دفنتها ورجعت على شقتها لقيتها كانت لسه منظفة الشقة .. وهنا صمت قليلا لان دموعه ظهرت سريعا في عينيه منذ قال لفظ ” أمي “.. اعطيته فرصته في التأثر بالموقف، ولكن هذا ما جعلني أساله ( وفاة الابنة اصعب ام الام؟)..

  • اجابني: الابنة ..

  • اذن لماذا انا شعرت انك تأثرت اكثر عند الحديث عن وفاة الوالدة وليس الابنة؟

  • لان الابنة عمرك ما تتوقعي انها تموت قبلك .. بس الام كمان لم تكن مريضة وعمري ما توقعت انها تموت.. كنت عارف ان كل الناس هتموت الا امي عمري ما تخيلت ده .. الام كمان بتربطك بيها ذكريات وعمر .. بس الابنة كمان حته منك.

شعرت في هذه الحالة ان هشام الاب والابن لا يستطيع ان يحدد اجابة لسؤالي فهو يشعر بالتوهان بين الشعورين. وهذا ما جعلني أسأله عن وفاة والده.. وهنا لم يقل سوى والدي كان مريض وتوفى عنده 81 عام فكان الواقعة اقل تأثيرا. وبالفعل كنت مررت من قبل بالتدريب الكافي في وفاة ابنتي وامي..

حنان هشام الجخ..

بخاف من تقدم السن على حاجة واحدة في حياتي وهي ابني “حمزة”.. لان الفرق بيني وبينه 40 عام وانا نموذج الذكر الوحيد في حياته، فهو ولد على بنتين. ولكن بحاول تخطي هذا الخوف بمحاولة اعطاءه ما يمكن توفيره له من وقت وطاقة بقدر الامكان.

الضحك على الازمات..

من كثرة الصدمات والازمات التي مررت بها في حياتي ، وبفضل هذه الشدائد والازمات، وبفضل ما رزقني الله بالتعويض عن كل لحظة تعب لانني تسلحت بالسعي والصبر، بالفعل اصبحت انسان ضد الصدمات.. الان عندما تمر بحياتي أزمة ما، تكون اعقابها عشر دقائق فقط، ومن ثم ابتسم وافيق سريعا لان مشوار حياتي قام بتدريبي على ان لا دوام لصدمة ما او ازمة ما.

غرفة ابنته الضيقة..

لم اكن لأنهي هذا الحوار حتى اوضح شئ هام للناس. ان السنة النبوية قد قامت بحسم امر مهم في تدريب الابناء على التعامل مع صدمات الحياة حين ذكرت ( اخششنوا فان النعمة لا تدوم ) وهذا لا يعني ان نحرم ابناءنا او نبخل عليهم او على انفسنا، ولكن لابد من لفت انتباههم لواقع الحياة .

كانت ابنتي تتشاجر مع اختها لانها تدخل عليها غرفتها، وغرفتها من وجهة نظرها ضيقة لا تكفيها للعب.. قمت مباشرة لاصطحاب ابنتي الى شقتي القديمة وبقينا هناك ما يقرب من خمس ساعات، جعلتها تشاهد كيف ان غرفتها الان اكبر من شقة كان يعيش فيها والدها واكبر من شقق ناس كثيرة، لأعلمها حمد الخالق على نعمه.

ماذا شعرت من جلستك معي الليلة ما يقرب من خمس ساعات والخوض في ذكريات مراحل حياتك بمرارتها قبل حلاوتها؟؟

شعرت انني في جلسة مختلفة ومهمة حول موضوع مهم، ولكن اشعر أنني صرحت بكلام ما كنش ينفع اني اقوله.

التفسير النفسي لبعض ملامح شخصية هشام الجخ..

عزيزي القارئ: اتمنى لو انك كنت معي في هذا اللقاء بمشاعره وانفعالاته التي تنوعت ما بين الفخر والخجل، والفرح والحزن، والانفعال والهدوء، والدموع والابتسامة، والاسترسال والصمت. ولكن بصفة عامة استطع ان اوضح ان هشام الجخ شخصية تعشق ماضيها، ولذا لم تتخلى عن لكنتها الصعيدية في كلامها وطريقة سلامها على الأخرين ولغة جسدها، لم يتخلى عن هذا ليس لانه لا يستطع التغيير، ولكن لانه يحب ماضيه وأصوله ويفتخر بها ولا يخجل منه مثل العديد من الأنفس التي سرعان ما تتخلى عن قديمها فور ايجادها للبديل الأفضل الذي يلبي احتياجاتها بشكل افضل من وجهة نظرها.. ولذا شخصيته يطلق عليها في علم النفس ( الشخصية المتعلقة بالماضي ) ويطلق عليها بالعامية الدارجة ( الشخصية العشرية والأصيلة ). وهذه الشخصية تستحق اعطاءها الامان والثقة في العلاقات، فهي صديق وفي، وزوج لا يتخلى عن زوجته بسهوله. اي انه يستطع ان يتقبل الجديد مع الحفاظ على القديم، ولكن الجديد عنده لا يأخد مكان القديم..

كما انه شخصيته لديها درجة عالية من الرحمة تمنعها من الانتقام ممن قام بايذاءها بنفس طريقة الايذاء حتى وان اتيحت لها الفرص والظروف. فهي سرعان ما تشفق على عزيز قوم ذل. كما انها شخصية لديها من عزة النفس الذي ان لم يتفهمه البعض لظنوه تكبر، او نقص. ولكنها عزة نفس نشأ عليها بحكم تربيته في الصعيد التي تسعى لتقديم ( رجال ) للمجتمع، والرجل في نظرهم اهم ما يميزه عدم التصريح بضعفه، بل مقاومة الضعف والاحتفاظ بعزة النفس والشجاعة. ولذا ستجد ضعفه مرسوم في بعض قصائده ومن الصعب ان يصرح به بطريقة مباشرة للاخرين.

الجخ شخصية ذكية عمليا واجتماعيا، ولكن جميع قدراتها الشخصية تضعف امام نقطة ضعفها الاساسية وهي “ابناءها”..

الجخ شخصية استطاعت ان تكون ضد الصدمات وفقا لنشئتها الاولى بجانب ما تعرضت له من ضغوط الحياة في سن مبكر. وهذه القوة النفسية التي بدأت في النمو بداخله على مدار الايام، هي التي ساعدته على الرجوع لنفس مصادر الاحباطات القديمة لمواجهتها ولكن باستعداد مختلف. ومثال لذلك اقدامه على ممارسة الرياضة الان ولكن، بثقة في النفس. الموازنة بين اصوله في التنشئة والمعاني التي ليس لها علاقة باهتزاز هيبة الرجولة، كتصريحه بكل بساطة بأنه ان عاد به الزمن فليس من التقليل منه ان يسأل حبيبته لماذا اخذت قرار الانفصال عنه.

شاهد أيضاً

السيسي يلتقى بالأعلى للشرطة

كتب : جمال عبد المنعم التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي صباح اليوم الخميس،  بالمجلس الأعلى ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *