الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

تحقيقات

«صاحبة الجلالة» .. النزيف مستمر .. والجميع «لا أرى لا أسمع لا أتكلم»

2018-12-01 23:57:29
صورة ارشيفية عن جريدة السفير اللبنانية
صورة ارشيفية عن جريدة السفير اللبنانية
مدحت الشيخ

الجهاز المركزى للإحصاء يحذر من تراجع إصدار الصحف اليومية.. والتأثير سلبى على اقتصاد السوق

 

التوزيع مليون نسخة 2015 إلى 400 ألف حاليًا

 

23 صحيفة حزبية لم يتبقى منها غير الوفد والأهالى


 

 

أزمات متتالية تشهدها صناعة الصحافة ويعيش فيها عشاق صاحبة الجلالة .. تراجع ملحوظ وأزمات لا حصر لها وقوانين غير مبررة بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الورق الذى انعكس بالسلب على هذه الصناعة صحف تغلق وأخرى أصبحت محدودة التوزيع .. بعدما كانت لها باع ورصيد لدى القراء..

 

 

حرب غير معلنة لقتل أحد أسلحة مقاومة الفساد ومساندة الأجهزة الرقابة بالفعل هى أحد أبرز قوى مصر الناعمة فقارئ الصحف مواطن من نوع خاص يتمتع بقدر كبير من الثقافة وحب الإطلاع ومعرفة كل جديد..

 

 

أسئلة كثيرة وملحة.. ماذا لو قتلت صناعة الصحافة؟!، فمن المؤكد أننا سنترك عقول القراء للصحف ليس لها انتماء ممولة من الخارج من أجل تحقيق أهداف معلنة للجميع.

 

 

تحديات جديدة ومستمرة تواجه الصحافة الورقية قد تؤدى للأسف إلى توقف بعضها عن الصدور، واكتفاء بعضها بمواقع إلكترونية، وكأن هناك من يصرون على إصدار شهادة وفاة للصحافة، بدلًا من مساعدتها على التطور، والانتقال إلى مراحل مختلفة من أجل التكيف والإبداع والتعايش مع تحديات عالم الفضاء الإلكترونى بكل أدواته، وتغير عادات القراءة بمختلف أسبابها.

 

 

مع التطور التكنولوجى السريع فى مجال الوسائط المتعددة وفرض الإعلام المرئى الفضائى نفسه على المشهد بشكل شبه كلى واستحواذ الإذاعات حيزًا مهمًا فى معركة نقل المعلومة، لا تزال الصحافة المكتوبة قادرة على الحفاظ على استمرارها لتبقى مصدرًا للخبر مع أنها بدأت تفقد فئة من جمهورها يومًا بعد آخر، ومن غير المحتمل أن تفقد موقعها مع محاولات صانعى الصحافة استغلال الإنترنت على نحو فعال.

 

 

منذ عشرين سنة، ومع بداية ظهور الصحافة الإلكترونية قيل كثيرًا إن هذا المولود الجديد سيسقط الصحافة المكتوبة عاجلًا أم آجلًا من على عرشها الذى سيطرت عليه طيلة عقود.

 

 

وتزايدت تلك التوقعات بعد أن بدأت المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعى تستأثر باهتمام المتصفحين، لكن السنوات العشرين مرت ومازال الأمر محل جدل متواصل ومازال كل شئ نسبيًا أو مجرد توقعات.

 

 

بل على العكس «لا تزال الصحف موثوقًا فيها وسط ثورة وسائل التواصل الاجتماعى»، وكان هذا عنوان مقال سير مارتن سوريل أحد أكبر صناع الإعلان والعلاقات العامة فى العالم، فى مقال نشرته جريدة الـ«صنداى تليجراف» البريطانية أكد فيه أن الصحف الورقية مازالت مصدرًا جديرًا بالثقة وسط بحر من المعلومات الرقمية الخاطئة بوصفها تقف حارسًا وجهة مسئولة عن مصالح المعلنين أكثر من غيرها.

 

 

وأوضح سوريل أن «العيوب المدركة والحقيقية فى الإعلام الرقمى هى مصدر محتمل لميزة تنافسية للصحف- فى كل من المطبوع والأشكال الرقمية للصحف».

 

 

ويواصل قائلًا: «نظرًا لأن جوجل وفيس بوك وتويتر وغيرها يواجهون اتهامات بتحولهم إلى منصات للكراهية والأخبار المزيفة.. فإن عدم الثقة فى المعلومات التى تتم مشاركتها عبر وسائل التواصل الاجتماعى يجب أن يزيد من شهية الجمهور لمتابعة الوسائل التقليدية الأكثر مصداقية».

 

 

ويقول سوريل إن أحدث الأبحاث تكشف عن أن الصحف يمكن أن تزيد من فاعلية الحملات الإعلانية بنسبة ٣٠٠ %، كما يشير إلى أن الدراسات العالمية تبين أن الناس أكثر انخراطًا واندماجًا مع محتوى الصحف أكثر من استخدامهم وسائل التواصل الاجتماعى المتنوعة.

 

 

مع ذلك، فإن الواقع مظلم والأرقام تجعله أكثر إظلامًا، إذ أن عدد الصحف اليومية المصرية حاليًا 23 صحيفة؛ منها 9 صحف قومية، و13 خاصة، وواحدة حزبية هى جريدة «الوفد»، وفقًا لبيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، الذى أفاد فى شهر مايو قبل الماضى، فى تقرير أصدره بمناسبة اليوم العالمى لحرية الصحافة، بأن عدد الصحف اليومية والأسبوعية والشهرية فى مصر كان قد بلغ 75 صحيفة، منها 3 صحف حزبية سنة 2015، مقابل 80 صحيفة عامة منها 8 صحف حزبية عام 2014، بانخفاض بلغت نسبته 6%.

 

 

الأرقام السابقة تعطى مؤشرًا سلبيًا عن حالة الصحافة المطبوعة فى مصر، إذا ما قورنت ببيان الجهاز الحكومى نفسه عام 2012، حيث أفاد بأن عدد الصحف المصرية آنذاك بلغ 142 صحيفة فى عام 2010، فيما بلغ عدد الصحف الحزبية فى العام نفسه أيضًا 23 صحيفة، لا يصدر منها الآن سوى صحيفتين «الوفد» و«الأهالى»، وفقًا لرئيس المجلس الأعلى للصحافة سابقاً.

 

 

كما ذكر بيان «الإحصاء» سنة 2012 أيضًا، أن عدد النسخ الموزعة محليًا بلغ 917.9 مليون نسخة عام 2010 بمتوسط 2.5 مليون نسخة يومياً، لكنها هبطت إلى 560.7 مليون نسخة فى عام 2015 بمتوسط نحو مليون ونصف المليون نسخة، ويقدر الخبراء نسب التوزيع الحالية بـ400 ألف نسخة فقط لكل الصحف المصرية يوميًا.

 

 

 

عالميًا تعد عائدات الصحف المطبوعة الأسوأ منذ العام 2009، وفقًا لصحيفة «وول ستريت جورنال»، يواجه قطاع الصحف انخفاضًا متسارعًا فى عائدات الإعلانات المطبوعة، وضغوطًا كبيرة فى السوق، ما اضطر بعض الناشرين إلى اعتماد سياسة تخفيض التكاليف، وإدخال تغييرات جذرية على المنتجات المطبوعة.

 

 

وأشارت «الصحيفة» إلى أن الإنفاق العالمى على إعلانات الصحف المطبوعة قد انخفض بنسبة 8.7% عام 2016، أى ما يعادل 52.6 مليار دولار أمريكى، وذلك وفقًا لتقديرات الشركة المتخصصة فى شراء الإعلانات GroupM، التى أشارت إلى أن ذلك الانخفاض هو الأكبر منذ الركود الاقتصادى فى عام 2009، حين انخفض الإنفاق بنسبة 13.7%.

 

 

ورأت أن هذا الانخفاض سيكون له ارتدادات سلبية على كبار الناشرين حول العالم، ما قد يزيد من عبء الضغوط عليهم لتعزيز الإيرادات الرقمية أو الإسراع للتعويض عن الإيرادات المفقودة، وصولًا إلى إعادة النظر فى شكل المطبوعات ومحتواها.

 

 

ولهذا السبب، سارعت صحف عالمية عريقة إلى تقليص التكاليف للتأقلم مع الواقع الجديد، منها «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال»، أما صحيفتا «ذى جارديان» و«ديلى ميل» فأقدمتا على تقليص عدد الوظائف وتسريح مئات الموظفين.

 

 

ولا ننسى جريدة «السفير اللبنانية» والتى كان يرأسها طلال سلمان والتى اغلقت فى 2017 بعد استمرارها على مدار 43 عامًا بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التى تمر بها الصحف حاليًا.

 

 

وحسب تقرير نشرته مؤخرًا جمعية ناشرى الصحف، يظل ملياران ونصف المليار من البشر يقرأون الصحف الورقية كل صباح. خاصة فى دول العالم الثالث، وفى الصين والهند.

 

 

لكن، طبعًا، كلما ظهرت صحيفة أو موقع إلكترونى، قل الإقبال على صحيفة ورقية. وقد ظهرت هذه الحقيقة بصورة واضحة مع نهاية تسعينات القرن الماضى بحلول قنوات تليفزيونية فضائية تعمل 24 ساعة فى اليوم، وبانتشار الكومبيوتر الشخصى، صار الإنترنت يشكل تحديًا مستمرًا لمعظم الصحف الورقية، خاصة فى أوروبا وأمريكا الشمالية.

 

 

انخفض التوزيع مدفوع القيمة. وقل دخل الإعلانات التى عادة تشكل الجزء الأكبر من إيرادات معظم الصحف ما أدى إلى انخفاض عام فى الأرباح وأطلقت كثير من الصحف حول العالم طبعات فى الإنترنت، فى محاولة لمتابعة التحول العظيم، وللمحافظة على قرائها.

 

 

لكن، تظل فى بقية العالم، الطباعة أرخص، والتوزيع أرخص وتظل زيادة الإلمام بالقراءة والكتابة. وتظل الطبقات الوسطى فى كثير من الدول النامية تزيد. ففى عام 1995، كانت صحيفة «أمريكان ريبورتر» أول صحيفة يومية، بصحفيين متفرغين، ومحتوى أصلى، تبدأ فى الإنترنت. اليوم توجد أكثر من 10 آلاف صحيفة رئيسية يومية فى الإنترنت. ويزيد العدد بمعدل مائة كل يوم.

 

 

هذه الوضعية تشهدها أيضًا كبريات الصحف الأمريكية التى تَكَبَّدَت ديونًا بملايين الدولارات، مثل «نيويورك تايمز» التى أرهقتها ديون تجاوزت مليار دولار، وسجلت أسهمها تراجعًا بنسبة 55% فى سنة 2015، ما اضطر الصحيفة إلى تخفيض رواتب معظم موظفيها بنسبة 5%، بينما تراجع عدد محرريها إلى 1250 بعد أن كان يُقَدَّر عددهم بــ1330 محرِّرًا».

 

 

وأوقفت صحيفة «الواشنطن بوست» إصدار عددها الأسبوعى الخاص، وعمره 27 عامًا، بعدما انخفضت نسبة مبيعاته، بينما اتجهت صحف أخرى مثل «لوس أنجلوس تايمز» إلى تسريح عدد كبير من موظفيها.

 

 

وفى فرنسا، عرف عدد من المؤسسات الإعلامية المصير نفسه وبدأ التراجع عن الحديث حول «الاستثناء الفرنسى» بعد أن توقفت صحيفة «فرانس سوار» نهائيًا عن الصدور، منذ شهر نوفمبر 2011، واكتفت بطبعتها الإلكترونية إثر تراجع مبيعاتها إلى أقل من 40 ألف نسخة فى اليوم.

 

 

والأكثر من ذلك هو أن خبيرًا مثل "فيليب ميير" توقع فى كتابه «نهاية الصحيفة» الذى صدر العام الماضى، أن يشهد عام 2043 نهاية أخر صحيفة ورقية فى الولايات المتحدة٬ لكن عالم المستقبليات "داوسن" كان أقسى منه فى إثارة ذلك الموضوع، إذ توقع قبل خمس سنوات أن يشهد عام 2022 موت الصحافة المطبوعة نهائياً!!.

إرسل لصديق